وإذا نهاهم عن منكر فعلوه وفعلوا غيره من المنكرات ؛ عناداً للحق وبغضاً لاتباع المحقين، وجراءة على الله سبحانه، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة وجعل المخالفة لها والتجرؤ على أهلها ديدنه وهجيراه، كما يشاهد ذلك في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة، قابلوها بما لديهم من البدعة، فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين المتهاونون بالشرائع، وهم شرّ من الزنادقة، لأنهم يحتجون بالباطل وينتمون إلى البدع، ويتظاهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين، والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام، وتحاماهم أهله، وقد ينفق كيدهم، ويتمّ باطلهم وكفرهم نادراً على ضعيف من ضعفاء المسلمين، مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل، وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة، وهي أصل أصيل في سدّ الذرائع، وقطع التطرّق إلى الشبه.
وقرأ أهل مكة "عُدُوّا" بضم العين والدال وتشديد الواو، وهي قراءة الحسن، وأبي رجاء وقتادة.
وقرأ من عداهم بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو، ومعنى القراءتين واحد : أي ظلماً وعدواناً، وهو منتصب على الحال، أو على المصدر، أو على أنه مفعول له ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ أي مثل ذلك التزيين زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم من الخير والشرّ ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَآء وَيَهْدِى مَن يَشَآء ﴾ [ النحل : ٩٣، فاطر : ٨ ] ﴿ ثُمَّ إلى رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ في الدنيا من المعاصي التي لم ينتهوا عنها، ولا قبلوا من المرسلين ما أرسلهم الله به إليهم، وما تضمنته كتبه المنزلة عليهم.