وقال الآلوسى :
﴿ قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ ﴾
استئناف وارد على لسان الرسول ﷺ فقل مقدرة كما قاله بعض المحققين.
والبصائر جمع بصيرة وهي للقلب كالبصر للعين، والمراد بها الآيات الواردة ههنا أو جميع الآيات ويدخل ما ذكر دخولاً أولياً، و﴿ مِنْ ﴾ لابتداء الغاية مجازاً وهي متعلقة بجاء أو بمحذوف وقع صفة لبصائر، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار كمال اللطف بهم أي قد جاءكم من جهة مالككم ومبلغكم إلى كمالكم اللائق بكم من الوحي الناطق بالحق والصواب ما هو كالبصائر للقلوب أو قد جاءكم بصائر كائنة من ربكم. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٧ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
هذا انتقال من محاجّة المشركين، وإثبات الوحدانيّة لله بالربوبيّة من قوله :﴿ إنّ الله فالق الحبّ والنَّوى إلى قوله وهو اللّطيف الخبير ﴾ [ الأنعام : ٩٥ ١٠٣ ].
فاستؤنف الكلام بتوجيه خطابٍ للنّبيء عليه الصّلاة والسّلام مقولٍ لفعلِ أمر بالقول في أوّل الجملة، حُذف على الشّائع من حذف القول للقرينة في قوله :﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ [ الأنعام : ١٠٤ ].
ومناسبة وقوع هذا الاستئناف عقب الكلام المسوق إليهم من الله تعالى أنّه كالتّوقيف والشّرح والفذلكة للكلام السّابق فيقدر : قُل يا محمّد قد جاءكم بصائر.
وبصائر جمع بصيرة، والبصيرة : العقل الّذي تظهر به المعاني والحقائق، كما أنّ البصر إدراك العين الّذي تتجلّى به الأجسام، وأطلقت البصائر على ما هو سبب فيها.
وإسناد المجيء إلى البصائر استعارة للحصول في عقولهم، شُبّه بمجيء شيء كان غائباً، تنويهاً بشأن ما حصل عندهم بأنّه كالشّيء الغائب المتوقَّع مجيئه كقوله تعالى :﴿ جاء الحقّ وزهق الباطل ﴾ [ الإسراء : ٨١ ].
وخلو فعل "جاء" عن علامة التّأنيث مع أنّ فاعله جمعُ مؤنّث لأنّ الفعل المسند إلى جمع تكسير مطلقاً أو جمع مؤنّث يجوز اقترانه بتاء التّأنيث وخلوُّه عنها.


الصفحة التالية
Icon