والوجه الثاني : التمسك بقوله :﴿مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فيجب أن يكون الفعل مسنداً إلى الفاعل لتقدم ذكر اسم الله تعالى، وأما الذين قرؤا بالضم في الحرفين فحجتهم قوله :﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم﴾ [ المائدة : ٣ ] وقوله :﴿حرمات﴾ تفصيل لما أجمل في هذه الآية، فلما وجب في التفصيل أن يقال :﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ بفعل ما لم يسم فاعله وجب في الإجمال كذلك وهو قوله :﴿مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ولما ثبت وجوب ﴿حَرَّمَ﴾ بضم الحاء فكذلك يجب ﴿فَصَّلَ﴾ بضم الفاء لأن هذا المفصل هو ذلك المحرم المجمل بعينه.
وأيضاً فإنه تعالى قال :﴿وَهُوَ الذى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب مُفَصَّلاً﴾ [ الأنعام : ١١٤ ] وقوله :﴿مُفَصَّلاً﴾ يدل على فصل.
وأما من قرأ ﴿فَصَّلَ﴾ بالفتح وحرم بالضم فحجته في قوله :﴿فَصَّلَ﴾ قوله :﴿قَدْ فَصَّلْنَا الأيات﴾ وفي قوله :﴿حَرَّمَ﴾ قوله :﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٣ صـ ١٣٥ ـ ١٣٦﴾
وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ ﴾
المعنى : ما المانع لكم من أكل ما سمّيتم عليه ربَّكم وإن قتلتموه بأيديكم. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٧ صـ ﴾
وقال الآلوسى :
﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ ﴾
إنكار لأن يكون لهم شيء يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذكر اسم الله تعالى عليه، فما للاستفهام الإنكاري وليست نافية كما قيل وهي مبتدأ و﴿ لَكُمْ ﴾ الخبر وأن تأكلوا بتقدير حرف الجر أي في أن تأكلوا، والخلاف في محل المنسبك بعد الحذف مشهور.