ولم يفصح أحد من المفسّرين عن وجه عطف هذا على ما قبله، ولا عن الدّاعي إلى هذا الخطاب، سوى ما نقله الخفاجي في حاشية التّفسير } عمّن لقَّبه علم الهدى ولعلّه عنى به الشّريف المرتضى : أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ المسلمين كانوا يتحرّجون من أكل الطيّبات، تقشّفاً وتزهّداً أ هـ، ولعلّه يريد تزهّداً عن أكل اللّحم، فيكون قوله تعالى :﴿ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ استطراداً بمناسبة قوله قبله :﴿ فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه ﴾ [ الأنعام : ١١٨ ]، وهذا يقتضي أنّ الاستفهام مستعمل في اللّوم، ولا أحسب ما قاله هذا الملقّب بعلم الهدى صحيحاً ولا سند له أصلاً.
قال الطّبري : ولا نعلم أحداً من سلف هذه الأمّة كفّ عن أكل ما أحلّ اللَّه من الذّبائح.
والوجه عندي أنّ سبب نزول هذه الآية ما تقدّم آنفاً من أنّ المشركين قالوا للنّبيء ﷺ وللمسلمين، لمّا حَرّم الله أكل الميتة :" أنأكل ما نَقتل ولا نَأكل ما يقتلُ اللَّهُ " يعنون الميتة، فوقع في أنفس بعض المسلمين شيء، فأنزل الله ﴿ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ أي فأنبأهم الله بإبطال قياس المشركين المُموّهِ بأنّ الميتة أولى بالأكل ممّا قتله الذّابح بيده، فأبدى الله للنّاس الفرق بين الميتة والمذكّى، بأنّ المذكّى ذُكر اسم الله عليه، والميتة لا يذكر اسم الله عليها، وهو فارق مؤثّر.
وأعرض عن محاجة المشركين لأنّ الخطاب مسوق إلى المسلمين لإبطال محاجّة المشركين فآل إلى الرد على المشركين بطريق التعريض.