الأول : أنه تعالى قال :﴿يامعشر الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ﴾ فهذا يقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضاً من أبعاض هذا المجموع، وإذا كان الرسل من الإنس كان الرسل بعضاً من أبعاض ذلك المجموع، فكان هذا القدر كافياً في حمل اللفظ على ظاهره، فلم يلزم من ظاهر هذه الآية إثبات رسول من الجن.
الثاني : لا يبعد أن يقال : إن الرسل كانوا من الأنس إلا أنه تعالى كان يلقي الداعية في قلوب قوم من الجن حتى يسمعوا كلام الرسل ويأتوا قومهم من الجن ويخبرونهم بما سمعوه من الرسل وينذرونهم به، كما قال تعالى :﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن﴾ [ الأحقاف : ٢٩ ] فأولئك الجن كانوا رسل الرسل، فكانوا رسلاً لله تعالى، والدليل عليه : أنه تعالى سمى رسل عيسى رسل نفسه.
فقال :﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين﴾ [ ياس : ١٤ ] وتحقيق القول فيه أنه تعالى إنما بكت الكفار بهذه الآية لأنه تعالى أزال العذر وأزاح العلة، بسبب أنه أرسل الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين، فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق، فقد حصل ماهو المقصود من إزاحة العذر وإزالة العلة، فكان المقصود حاصلاً.
الوجه الثالث : في الجواب قال الواحدي : قوله تعالى :﴿رُسُلٌ مّنكُمْ﴾ أراد من أحدكم وهو الإنس وهو كقوله :﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [ الرحمن : ٢٢ ] أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب.
واعلم أن الوجهين الأولين لا حاجة معهما إلى ترك الظاهر أما هذا الثالث فإنه يوجب ترك الظاهر، ولا يجوز المصير إليه إلا بالدليل المنفصل.
أما قوله :﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءاياتى﴾ فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتلاوة وبالتأويل ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا عند ذلك إلا الاعتراف، فلذلك قالوا : شهدنا على أنفسنا.


الصفحة التالية
Icon