فإن قالوا : ما السبب في أنهم أقروا في هذه الآية بالكفر وجحدوه في قوله :﴿والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [ الأنعام : ٢٣ ].
قلنا : يوم القيامة يوم طويل والأحوال فيه مختلفة، فتارة يقرون، وأخرى يجحدون، وذلك يدل على شدة خوفهم واضطراب أحوالهم، فإن من عظم خوفه كثر الاضطراب في كلامه.
ثم قال تعالى :﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ والمعنى أنهم لما أقروا على أنفسهم بالكفر، فكأنه تعالى يقول : وإنما وقعوا في ذلك الكفر بسبب أنهم غرتهم الحياة الدنيا.
ثم قال تعالى :﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين﴾ والمراد أنهم وإن بالغوا في عداوة الأنبياء والطعن في شرائعهم ومعجزاتهم، إلا أن عاقبة أمرهم أنهم أقروا على أنفسهم بالكفر، ومن الناس من حمل قوله :﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين﴾ بأن تشهد عليهم الجوارح بالشرك والكفر، ومقصودهم دفع التكرار عن الآية، وكيفما كان، فالمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجرهم في الدنيا عن الكفر والمعصية.
واعلم أن أصحابنا يتمسكون بقوله تعالى :﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا﴾ على أنه لا يحصل الوجوب ألبتة قبل ورود الشرع، فإنه لو حصل الوجوب واستحقاق العقاب قبل ورود الشرع لم يكن لهذا التعليل والذكر فائدة. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٣ صـ ١٥٩ ـ ١٦١﴾