وقال الآلوسى :
﴿ وَرَبُّكَ الغنى ﴾ أي لا غنى عن كل شيء كائناً ما كان إلا هو سبحانه فلا احتياج له عز شأنه إلى العباد ولا إلى عبادتهم، ولا يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإظهار في مقام الإضمار والإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من اللطف الجزيل، والكلام مبتدأ وخبر.
وقوله سبحانه :﴿ ذُو الرحمة ﴾ خبر آخر، وجوز أن يكون هو الخبر و﴿ الغنى ﴾ صفة أي الموصوف بالرحمة العامة فيترحم على العباد بالتكليف تكميلاً لهم ويمهلهم على المعاصي إلى ما شاء، وفي ذلك تنبيه على أن ما تقدم ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتوطئة لقوله سبحانه :﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٨ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
﴿ وَرَبُّكَ الغنى ذُو الرحمة ﴾.
عُطفْت جملة :﴿ وربك الغني ﴾ على جملة :﴿ وما ربُّك بغافل عمّا يعملون ﴾ [ الأنعام : ١٣٢ ] إخباراً عن علمه ورحمته على الخبر عن عمله، وفي كلتا الجملتين وعيد ووعد، وفي الجملة الثّانية كناية عن غناه تعالى عن إيمان المشركين وموالاتهم كما في قوله :﴿ إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم ﴾ [ الزمر : ٧ ]، وكناية عن رحمته إذْ أمهل المشركين ولم يعجّل لهم العذاب، كما قال :﴿ وربُّك الغفور ذو الرّحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجّل لهم العذاب ﴾ في سورة الكهف ( ٥٨ ).
وقوله : وربك } إظهار، في مقام الإضمار، ومقتضى الظاهر أن يقال : وهو الغنيّ ذو الرّحمة، فخولف مقتضى الظاهر لما في اسم الربّ من دلالة على العناية بصلاح المربوب، ولتكون الجملة مستقلّة بنفسها فتسير مسرى الأمثال والحِكَم، وللتنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم
والغنيّ : هو الّذي لا يحتاج إلى غيره، والغنيّ الحقيقي هو الله تعالى لأنَّه لا يحتاج إلى غيره بحال، وقد قال علماء الكلام : إنّ صفة الغِنَى الثّابتة لله تعالى يَشمل معناها وجوب الوجود، لأنّ افتقار الممكن إلى الموجد المختارِ، الّذي يرجح طَرف وجوده على طرف عدمه، هو أشدّ الافتقار، وأحسب أنّ معنى الغِنى لا يثبت في اللّغة للشّيء إلاّ باعتبار أنّه موجود فلا يشمل معْنى الغنى صفة الوجود في متعارف اللّغة.
إلاّ أن يكون ذلك اصطلاحاً للمتكلّمين خاصّاً بمعنى الغِنى المطلق.
وممّا يدلّ على ما قُلتهُ أنّ من أسمائه تعالى المغني، ولم يُعتبر في معناه أنَّه موجد الموجودات.
وتقدّم الكلام على معنى الغنيّ عند قوله تعالى :﴿ إن يكن غنياً أو فقيراً ﴾ في سورة النّساء ( ١٣٥ ).


الصفحة التالية
Icon