وقال الآلوسى :
﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ ﴾ أي إن الذي توعدونه من القيامة والحساب والعقاب والثواب وتفاوت الدرجات والدركات، وصيغة الاستقبال للدلالة على الإستمرار التجددي، و﴿ مَا ﴾ اسم ( إنَّ ) ولا يجوز أن تكون الكافة لأن قوله سبحانه :﴿ لآتٍ ﴾ يمنع من ذلك كما قال أبو البقاء، وهو خبر ( إنَّ )، والمراد : إن ذلك لواقع لا محالة، وإيثار آت على واقع لبيان كمال سرعة وقوعه بتصويره بصورة طالب حثيث لا يفوته هارب حسبما يعرب عنه قوله تعالى :﴿ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي جاعلي من طلبكم عاجزاً عنكم غير قادر على إدراككم.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المعنى وما أنتم بسابقين، وإيثار صيغة الفاعل على المستقبل للإيذان بقرب الإتيان والدوام الذي يفيده العدول عن الفعلية إلى الإسمية متوجه إلى النفي فالمراد دوام انتفاء الإعجاز لا بيان دوام انتفائه، وله نظائر في الكتاب الكريم. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٨ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
هذه الجملة بدل اشتمال من جملة :﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ [ الأنعام : ١٣٣ ] فإنّ المشيئة تشتمل على حالين : حاللِ ترك إهلاكهم، وحاللِ إيقاعه، فأفادت هذه الجملة أنّ مشيئة الله تعلّقت بإيقاع ما أوعدهم به من الإذهاب، ولك أن تجعل الجملة استئنافاً بيانياً : جواباً عن أن يقول سائل من المشركين، متوركاً بالوعيد : إذا كنّا قد أُمهلنا وأخِّر عنَّا الاستئصال فقد أُفلتنا من الوعيد، ولعلّه يلقاه أقوام بعدنا، فورد قوله :﴿ إن ما توعدون لأت ﴾ مورد الجواب عن هذا السّؤال النّاشىء عن الكلام السّابق بتحقيق أنّ مَا أُوعد به المشركون، واقع لا محالة وإنْ تأخّر.
والتّأكيد بـ ﴿ أنّ ﴾ مناسب لمقام المتردّد الطالب، وزيادة التّأكيد بلام الابتداء لأنَّهم متوغّلون في إنكار تحقّق ما أوعدوا به من حصول الوعيد واستسخارهم به، فإنَّهم قالوا :﴿ اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [ الأنفال : ٣٢ ] إ فحاماً للرّسول ﷺ وإظهاراً لتخلّف وعيده.
وبناء ﴿ توعدون ﴾ للمجهول يصحح أن يكون الفعل مضارع وَعد يَعِد، أو مضارع أوْعد، يُوعد والمتبادر هو الأوّل.
ومن بديع الفصاحة اختيار بنائه للمجهول، ليصلح لفظه لحال المؤمنين والمشركين، ولو بني للمعلوم لتعيّن فيه أحد الأمرين : بأن يقال : إنّ ما نعدكم، أو إنّ ما نُوعدكم، وهذا من بديع التّوجيه المقصود منه أن يأخذ منه كلّ فريق من السّامعين ما يليق بحاله، ومعلوم أنّ وعيد المشركين يستلزم وعْداً للمؤمنين، والمقصود الأهمّ هو وعيد المشركين، فلذلك عقّب الكلام بقوله :﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فذلك كالتّرشيح لأحد المحتمَلين من الكلام الموجَّه.


الصفحة التالية
Icon