فصل


قال الفخر :
قوله :﴿وَهُوَ الذى أَنشَأَ﴾ أي خلق، يقال : نشأ الشيء ينشأ نشأة ونشاءة إذا ظهر وارتفع والله ينشئه إنشاء أي يظهره ويرفعه وقوله :﴿جنات معروشات﴾ يقال عرشت الكرم أعرشه عرشاً وعرشته تعريشاً، إذا عطفت العيدان التي يرسل عليها قضبان الكرم، والواحد عرش، والجمع عروش، ويقال : عريش وجمعه عرش، واعترش العنب العريش اعتراشاً إذا علاه.
إذا عرفت هذا فنقول : في قوله :﴿معروشات وَغَيْرَ معروشات﴾ أقوال :
الأول : أن المعروشات وغير المعروشات كلاهما الكرم، فإن بعض الأعناب يعرش وبعضها لا يعرش، بل يبقى على وجه الأرض منبسطاً.
والثاني : المعروشات العنب الذي يجعل لها عروش، وغير المعروشات كل ما ينبت منبسطاً على وجه الأرض مثل القرع والبطيخ.
والثالث : المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه، وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير المعروش هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وذهابه علواً لقوة ساقه عن التعريش.
والرابع : المعروشات ما يحصل في البساتين والعمرانات مما يغرسه الناس واهتموا به فعرشوه ﴿وَغَيْرَ معروشات﴾ مما أنبته الله تعالى وحشياً في البراري والجبال فهو غير معروش وقوله :﴿والنخل والزرع﴾ فسر ابن عباس ﴿الزرع﴾ ههنا بجميع الحبوب التي يقتات بها ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أي لكل شيء منها طعم غير طعم الآخر ﴿والأكل﴾ كل ما أكل، وههنا المراد ثمر النخل والزرع، ومضى القول في ﴿الأكل﴾ عند قوله :﴿فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [ البقرة : ٢٦٥ ] وقوله :﴿مُخْتَلِفًا﴾ نصب على الحال أي أنشأه في حال اختلاف أكله، وهو قد أنشأه من قبل ظهور أكله وأكل ثمره.
الجواب : أنه تعالى أنشأها حال اختلاف ثمرها وصدق هذا لا ينافي صدق أنه تعالى أنشأها قبل ذلك أيضاً وأيضاً نصب على الحال مع أنه يؤكل بعد ذلك بزمان، لأن اختلاف أكله مقدر كما تقول : مررت برجل معه صقر صائداً به غداً، أي مقدراً للصيد به غداً.


الصفحة التالية
Icon