قلنا : قوله تعالى :﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ يفيد تعليل ذلك الذم بمجرد ترك الأمر، لأن قوله :﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ مذكور في معرض التعليل، والمذكور في قوله :﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ هو الأمر من حيث أنه أمر لا كونه أمراً مخصوصاً في صورة مخصوصة، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون ترك الأمر من حيث إنه أمر موجبٌ للذم، وذلك يفيد أن كل أمر فإنه يقتضي الوجوب وهو المطلوب.
المسألة الرابعة :
احتج من زعم أن الأمر يفيد الفور بهذه الآية قال : إنه تعالى ذم إبليس على ترك السجود في الحال، ولو كان الأمر لا يفيد الفور لما استوجب هذا الذم بترك السجود في الحال.
المسألة الخامسة :
اعلم أن قوله تعالى :﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ طلب الداعي الذي دعاه إلى ترك السجود، فحكى تعالى عن إبليس ذكر ذلك الداعي، وهو أنه قال :﴿أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ومعناه : أن إبليس قال إنما لم أسجد لآدم، لأني خير منه، ومن كان خيراً من غيره فإنه لا يجوز أمر ذلك الأكمل بالسجود لذلك الأدون ! ثم بين المقدمة الأولى وهو قوله :﴿أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ﴾ بأن قال :﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ والنار أفضل من الطين والمخلوق من الأفضل أفضل، فوجب كون إبليس خيراً من آدم.
أما بيان أن النار أفضل من الطين، فلأن النار مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن مجاورة السموات، وأيضاً فالنار قوية التأثير والفعل، والأرض ليس لها إلا القبول والانفعال.
والفعل أشرف من الانفعال، وأيضاً فالنار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة، وأما الأرضية والبرد واليبس فهما مناسبان الموت.


الصفحة التالية
Icon