وقال ابن عاشور :
و﴿ فريقاً ﴾ الأوّلُ والثّاني منصوبان على الحال : إمَّا من الضّمير المرفوع في ﴿ تعودون ﴾، أي ترجعون إلى الله فريقين، فاكتُفي عن إجمال الفريقين ثم تفصيلِهما بالتّفصيل الدّال على الإجمال تعجيلاً بذكر التّفصيل لأنّ المقام مقام ترغيب وترهيب، ومعنى ﴿ فريقاً هدى ﴾ : أنّ فريقاً هداهم الله في الدّنيا وفريقاً حقّ عليهم الضّلالة، أي في الدّنيا، كما دلّ عليه التّعليل بقوله :﴿ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ﴾، وإمّا من الضّمير المستتر في قوله :﴿ مخلصين ﴾ أي ادْعُوه مخلصين حال كونكم فريقين : فريقاً هداه الله للإخلاص ونبذِ الشّرك، وفريقاً دام على الضّلال ولازم الشّرك.
وجملة :﴿ هدى ﴾ في موضع الصّفة لفريقاً الأوّل، وقد حذف الرّابط المنصوب : أي هداكم الله، وجملة :﴿ حق عليهم الضلالة ﴾ صفة ﴿ فريقاً ﴾ الثّاني.
وهذا كلّه إنذار من الوقوع في الضّلالة، وتحذير من اتّباع الشّيطان، وتحريض على توخي الاهتداء الذي هو من الله تعالى، كما دلّ عليه إسناده إلى ضمير الجلالة في قوله :﴿ هدى ﴾ فيعلم السّامعون أنّهم إذا رجعوا إليه فريقين كان الفريق المفلح هو الفريق الذين هداهم الله تعالى كما قال :﴿ أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ﴾ [ المجادلة : ٢٢ ] وأنّ الفريق الخاسر هم الذين حَقّت عليه الضّلالة واتّخذوا الشّياطين أولياء من دون الله كما قال :﴿ أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ﴾ [ المجادلة : ١٩ ].
وتقديم ﴿ فريقاً الأوّل والثّاني على عامليهما للاهتمام بالتّفصيل.
ومعنى : حق عليهم الضلالة ﴾
ثبتت لهم الضّلالة ولزموها.
ولم يقلعوا عنها، وذلك أنّ المخاطبين كانوا مشركين كلّهم، فلمّا أمروا بأن يعبدوا الله مخلصين افترقوا فريقين : فريقاً هداه الله إلى التّوحيد، وفريقاً لازم الشّرك والضّلالة، فلم يطرأ عليهم حال جديد.


الصفحة التالية
Icon