المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة جارياً مجرى تكليف ما لا يطاق فثبت بهذا البيان : أن السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه، وأن النفس الطاهرة يخرج نباتها من المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة بإذن ربها، والنفس الخبيثة لا يخرج نباتها إلا نكداً قليل الفائدة والخير، كثير الفضول والشر.
والوجه الثاني : من الاستدلال بهذه الآية في هذه المسألة قوله تعالى :﴿بِإِذْنِ رَبّهِ﴾ وذلك يدل على أن كل ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى.
المسألة الثالثة :
قرىء ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾ أي يخرجه البلد وينبته.
أما قوله تعالى :﴿والذى خَبُثَ﴾ قال الفراء : يقال : خبث الشيء يخبث خبثاً وخباثة.
وقوله :﴿إِلاَّ نَكِدًا﴾ النكد : العسر الممتنع من إعطاء الخير على جهة البخل.
وقال الليث : النكد : الشؤم واللؤم وقلة العطاء، ورجل أنكد ونكد قال :
وأعط ما أعطيته طيبا.. لا خير في المنكود والناكد
إذا عرفت هذا فنقول : قوله :﴿والذى خَبُثَ﴾ صفة للبلد ومعناه والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً، فحذف المضاف الذي هو النبات، وأقيم المضاف إليه الذي هو الراجع إلى ذلك البلد مقامه، إلا أنه كان مجروراً بارزاً فانقلب مرفوعاً مستكناً لوقوعه موقع الفاعل، أو يقدر ونبات الذي خبث، وقرىء ﴿نَكِدًا﴾ بفتح الكاف على المصدر أي ذا نكد.
ثم قال تعالى :﴿كذلك نُصَرِّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ قرىء ﴿يُصْرَفْ﴾ أي يصرفها الله، وإنما ختم هذه الآية بقوله :﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ لأن الذي سبق ذكره هو أنه تعالى يحرك الرياح اللطيفة النافعة ويجعلها سبباً لنزول المطر الذي هو الرحمة ويجعل تلك الرياح والأمطار سبباً لحدوث أنواع النبات النافعة اللطيفة اللذيدة، فهذا من أحد الوجهين ذكر الدليل الدال على وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته، ومن الوجه الثاني تنبيه على إيصال هذه النعمة العظيمة إلى العباد، فلا جرم كانت من حيث إنها دلائل على وجود الصانع وصفاته آيات ومن حيث أنها نعم يجب شكرها، فلا جرم قال :﴿نُصَرِّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ وإنما خص كونها آيات بالقوم الشاكرين لأنهم هم المنتفعون بها، فهو كقوله :﴿هُدًى لّلْمُتَّقِينَ﴾ [ البقرة : ٢ ]. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٤ صـ ١١٧ ـ ١١٩﴾


الصفحة التالية
Icon