﴿ وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾ أي أتحرى ما فيه صلاحكم بناءً على أن النصح تحري ذلك قولاً أو فعلاً، وقيل : هو تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، والمعنى هنا أبلغكم أوامر الله تعالى ونواهيه وأرغبكم في قبولها وأحذركم عقابه إن عصيتموه، وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال : نصحت العسل إذا خلصته من الشمع، ويقال : هو مأخوذ من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه شبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بفعل الخياط فيما يسد من خلل الثوب، وقد يستعمل لخلوص المحبة للمنصوح له والتحري فيما يستدعيه حقه، وعلى ذلك حمل ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري أن رسول الله ﷺ قال :
" إن الدين النصيحة قلنا : لمن يا رسول الله؟ قال : لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " ويقال : نصحته ونصحت له كما يقال : شكرته وشكرت له، قيل : وجىء باللام هنا ليدل الكلام على أن الغرض ليس غير النصح وليس النصح لغيرهم بمعنى أن نفعه يعود عليهم لا عليه عليه السلام كقوله :﴿ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ [ الفرقان : ٥٧ ] وهذا مبني على أن اللام للاختصاص لا زائدة، وظاهر كلام البعض يشعر بأنها مع ذلك زائدة وفيه خفاء.
وصيغة المضارع للدلالة على تجدد نصحه عليه السلام لهم كما يفصح عنه قوله :﴿ رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً ﴾ [ نوح : ٥ ].
وقوله تعالى :﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ عطف على ما قبله وتقرير لرسالته عليه السلام أي أعلم من قبله تعالى بالوحي أشياء لا علم لكم بها من الأمور الآتية.
فمن لابتداء الغاية مجازاً أو أعلم من شؤونه عز وجل وقدرته القاهرة وبطشه الشديد على من لم يؤمن به ويصدق برسله ما لا تعلمونه.