واعلم أن الكلام في الخلفاء والخلائف والخليفة قد مضى في مواضع، والمقصود منه أن تذكر النعم العظيمة يوجب الرغبة والمحبة وزوال النفرة والعداوة، وقد ذكر هود عليه السلام ههنا نوعين من الأنعام : الأول : أنه تعالى جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح، وذلك بأن أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وما يتصل بها من المنافع والمصالح.
والثاني : قوله :﴿وَزَادَكُمْ فِى الخلق بَسْطَةً﴾
وفيه مباحث :
البحث الأول :﴿الخلق﴾ في اللغة عبارة عن التقدير، فهذا اللفظ إنما ينطلق على الشيء الذي له مقدار وجثة وحجمية، فكان المراد حصول الزيادة في أجسامهم، ومنهم من حمل هذا اللفظ على الزيادة في القوة، وذلك لأن القوى والقدر متفاوتة، فبعضها أعظم وبعضها أضعف.
إذا عرفت هذا فنقول : لفظ الآية يدل على حصول الزيادة واعتداد تلك الزيادة، فليس في اللفظ ألبتة ما يدل عليه إلا أن العقل يدل على أن تلك الزيادة يجب أن تكون زيادة عظيمة واقعة على خلاف المعتاد، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر في معرض الإنعام فائدة.
قال الكلبي : كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً، وقال آخرون : تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يدا إنسان إذا رفعهما، ففضلوا على أهل زمانهم بهذا القدر، وقال قوم يحتمل أن يكون المراد من قوله :﴿وَزَادَكُمْ فِى الخلق بَسْطَةً﴾ كونهم من قبيلة واحدة متشاركين في القوة والشدة والجلادة، وكون بعضهم محباً للباقين ناصراً لهم وزوال العداوة والخصومة من بينهم، فإنه تعالى لما خصهم بهذه الأنواع من الفضائل والمناقب فقد قرر لهم حصولها، فصح أن يقال :﴿وَزَادَكُمْ فِى الخلق بَسْطَةً﴾ ولما ذكر هود هذين النوعين من النعمة قال :﴿فاذكروا ءالآءَ الله﴾ وفيه بحثان :
البحث الأول : لا بد في الآية من إضمار، والتقدير : واذكروا آلاء الله واعملوا عملاً يليق بتلك الإنعامات لعلكم تفلحون.
وإنما أضمرنا العمل لأن الصلاح الذي هو الظفر بالثواب لا يحصل بمجرد التذكر بل لا بد له من العمل، واستدل الطاعنون في وجوب الأعمال الظاهرة بهذه الآية وقالوا : إنه تعالى رتب حصول الصلاح على مجرد التذكر، فوجب أن يكون مجرد التذكر كافياً في حصول الصلاح.
وجوابه ما تقدم من أن سائر الآيات ناطقة بأنه لا بد من العمل.
والله أعلم.
البحث الثاني : قال ابن عباس :﴿آلآءَ الله﴾ أي نعم الله عليكم.
قال الواحدي : واحد الآلاء إلى وألو وإلى.
قال الأعشى :
أبيض لا يرهب الهزال ولا.. يقطع رحماً ولا يخون إلي
قال نظير الآلاء الآناء، واحدها : أنا وإني وإني، وزاد صاحب "الكشاف" في الأمثلة فقال : ضلع وأضلاع، وعنب وأعناب. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٤ صـ ١٢٨﴾