وقال أبو حيان :
﴿ الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها ﴾
أي كأن لم يقيموا ناعمي البال رخيي العيش في دارهم وفيها قوة الإخبار عن هلاكهم وحلول المكروه بهم والتنبيه على الاعتبار بهم كقوله تعالى :﴿ فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس ﴾ وكقول الشاعر :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا...
أنيس ولم يسمر بمكة سامر
وقال ابن عطية : وغنيت بالمكان إنما يقال في الإقامة التي هي مقترنة بتنعم وعيش رخي هذا الذي استقريت من الأشعار التي ذكرت العرب فيها هذه اللفظة وأنشد على ذلك عدّة أبيات ثم قال وأما قول الشاعر :
غنينا زماناً بالتصعلك والغنى...
فكلاًّ سقانا بكاسيهما الدهر
فمعناه استغنينا ورضينا مع أنّ هذه اللفظه ليست مقترنة بمكان انتهى، وقال ابن عباس : كأن لم يعمروا، وقال قتادة : كأن لم ينعموا، وقال الأخفش : كأن لم يعيشوا، وقال أيضاً قتادة وابن زيد ومقاتل : كأن لم يكونوا، وقال الزجاج : كأن لم ينزلوا، وقال ابن قتيبة : كأن لم يقيموا و﴿ الذين ﴾ مبتدأ والجملة التشبيهية خبره، قال الزمخشري : وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص كأنه قيل ﴿ الذين كذبوا ﴾ شعيباً المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا كأن لم يقيموا في دارهم لأنّ الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله تعالى انتهى، وجوّز أبو البقاء أن يكون الخبر ﴿ الذين كذبوا شعيباً ﴾ كانوا هم الخاسرين و﴿ كأن لم يغنوا ﴾ حال من الضمير في ﴿ كذبوا ﴾ وجوّز أيضاً أن يكون ﴿ الذين كذبوا ﴾ صفة لقول الذين كفروا من قومه وأن يكون بدلاً منه وعلى هذين الوجهين يكون ﴿ كان ﴾ حالاً انتهى، وهذه أوجه متكلفة والظاهر أنها جمل مستقلة لا تعلق بما قبلها من جهة الإعراب.


الصفحة التالية
Icon