فصل
قال الفخر :
اعلم أن بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض فرعون لموسى ولا أخذه ولا حبسه، بل خلى سبيله فقال قومه له :﴿أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الأرض ﴾.
واعلم أن فرعون كان كلما رأى موسى خافه أشد الخوف، فلهذا السبب لم يتعرض له إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك، فحملوه على أخذه وحبسه.
وقوله :﴿لِيُفْسِدُواْ فِى الأرض﴾ أي يفسدوا على الناس دينهم الذي كانوا عليه، وإذا أفسدوا عليهم أديانهم توسلوا بذلك إلى أخذ الملك.
أما قوله :﴿وَيَذَرَكَ﴾ فالقراءة المشهورة فيه ﴿وَيَذَرَكَ﴾ بالنصب.
وذكر صاحب "الكشاف" : فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون قوله :﴿وَيَذَرَكَ﴾ عطفاً على قوله :﴿لِيُفْسِدُواْ﴾ لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم، كان ذلك مؤدياً إلى تركه وترك آلهته، فكأنه تركهم لذلك.
وثانيها : أنه جواب للاستفهام بالواو، وكما يجاب بالفاء مثل قول الحطيئة :
ألم أكُ جارَكم ويكون بيني.. وبينكم المودة والآخاءُ ؟
والتقدير : أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض فيذرك وآلهتك.
قال الزجاج : والمعنى أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك موسى ؟ وثالثها : النصب بإضمار أن تقديره : أتذر موسى وقومه ليفسدوا وأن يذرك وآلهتك ؟ قال صاحب "الكشاف" : وقرىء ﴿وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ﴾ بالرفع عطفاً على ﴿أَتَذَرُ﴾ بمعنى أتذره ويذرك ؟ أي انطلق له، وذلك يكون مستأنفاً أو حالاً على معنى أتذره هو يذرك وإلهتك ؟ وقرأ الحسن ﴿وَيَذَرَكَ﴾ بالجزم، وقرأ أنس ﴿ونذرك﴾ بالنون والنصب، أي يصرفنا عن عبادتك فنذرها.
وأما قوله :﴿وَءالِهَتَكَ﴾ قال أبو بكر الأنباري : كان ابن عمر ينكر قراءة العامة، ويقرأ إلاهتك أي عبادتك، ويقول إن فرعون كان يعبد ولا يعبد، قال ابن عباس : أما قراءة العامة ﴿وَءالِهَتَكَ﴾ فالمراد جمع إله، وعلى هذا التقدير : فقد اختلفوا فيه.
فقيل إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً، وأمرهم بعبادتها.