أحدهما : ذكره البغوي فقال لما لم تكون الرسالة عن العموم في حق الناس كافة استقام قوله ﴿ اصطفيتك على الناس ﴾ وإن شاركه فيها غيره كما يقول الرجل للرجل خصصتك بمشورتي وإن كان قد شاور غيره إذا لم تكن المشورة على العموم فيكون مستقيماً وفي هذا الجواب نظر لأن من جملة من اصطفاه الله برسالته محمداً ( ﷺ ) وهو أفضل من موصى فلا يستقيم هذا الجواب الجواب الثاني ذكره الإمام فخر الدين الرازي فقال : إن الله تعالى بين أنه خصه بمجموع أمرين وهما الرسالة مع الكلام بغير واسطة وهذا المجموع ما حصل لغيره فثبت أنه إنما حصل التخصيص هاهنا لأنه سمع ذلك الكلام بغير واسطة وإنما كان الجواب بغير واسطة سبباً لمزيد الشرف بناء على العرف الظاهر لأن من سمع كلام الملك العظيم من فيه كان أعلى وأشرف ممن سمعه بواسطة الحجاب والنواب وهذا الجواب فيه نظر أيضاً لأن محمداً ( ﷺ ) اصطفاه برسالته وكلمه ليلة المعراج بغير واسطة وفرض عليه وعلى أمته الصلوات وخاطبه بيا محمد يدل عليه قوله ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ ورفعه إلى حيث سمع صريف الأقلام وهذا كله يدل على مزيد الفضل والشرف على موسى وغيره من الأنبياء فلا يستقيم هذا الجواب أيضاً والذي يعتمد في هذا الجواب عن هذا السؤال أن الله اصطفى موسى برسالته وبكلامه على الناس الذين كانوا في زمانه وذلك أنه لم يكن في ذلك الوقت أعلى منصباً ولا أشرف ولا أفضل منه وهو صاحب الشريعة الظاهرة وعليه نزلت التوراة فدل ذلك عليه أنه اصطفاه على ناس زمكانه كما اصطفى قومه على عالمي زمانهم وهو قوله تعالى :
﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ﴾ قال المفسرون : يعني على عالمي زمانهم.