ولما حكى الله تعالى دعاء موسى عليه السلام ذكر بعده ما كان جواباً لموسى عليه السلام، فقال تعالى قال :﴿عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشآءُ﴾ معناه إني أعذب من أشاء وليس لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي، ومن تصرف في خالص ملكه فليس لأحد أن يعترض عليه، وقرأ الحسن ﴿مَنْ أَسَاء﴾ من الإساءة، واختار الشافعي هذه القراءة وقوله :﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ فيه أقوال كثيرة.
قيل المراد من قوله :﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ هو أن رحمته في الدنيا عمت الكل، وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وإليه الإشارة بقوله :﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وقيل : الوجود خير من العدم، وعلى هذا التقدير فلا موجود إلا وقد وصل إليه رحمته وأقل المراتب وجوده، وقيل الخير مطلوب بالذات، والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب، وما بالعرض مرجوح مغلوب، وقال المعتزلة : الرحمة عبارة عن إرادة الخير، ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة واللذة والخير لأنه إن كان منتفعاً أو متمكناً من الانتفاع فهو برحمة الله من جهات كثيرة وإن حصل هناك ألم فله الأعواض الكثيرة، وهي من نعمة الله تعالى ورحمته فلهذا السبب قال :﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ وقال أصحابنا قوله :﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ من العام الذي أريد به الخاص، كقوله :
﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء﴾ [ النمل : ٢٣ ].
أما قوله :﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاوة والذين هم بآياتنا يؤمنون ﴾.
فاعلم أن جميع تكاليف الله محصورة في نوعين : الأول : التروك، وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها، والاحتراز عنها والاتقاء منها، وهذا النوع إليه الإشارة بقوله :﴿لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ والثاني : الأفعال وتلك التكاليف إما أن تكون متوجهة على مال الإنسان أو على نفسه.