الثاني : أن في ميقات الكلام وطلب الرؤية لم يظهر هناك منكر، إلا أنهم ﴿قَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ فلو كانت الرجفة المذكورة في هذه الآية إنما حصلت بسبب ذلك القول لوجب أن يقال : أتهلكنا بما يقوله السفهاء منا ؟ فلما لم يقل موسى كذلك بل قال :﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا﴾ علمنا أن هذه الرجفة إنما حصلت بسبب إقدامهم على عبادة العجل لا بسبب إقدامهم على طلب الرؤية.
الثالث : أن الله تعالى ذكر في ميقات الكلام والرؤية أنه خر موسى صعقاً وأنه جعل الجبل دكاً، وأما الميقات المذكور في هذه الآية، فإن الله تعالى ذكر أن القوم أخذتهم الرجفة، ولم يذكر أن موسى عليه السلام أخذته الرجفة، وكيف يقال أخذته الرجفة، وهو الذي قال لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ؟ واختصاص كل واحد من هذين الميقاتين بهذه الأحكام يفيد ظن أن أحدهما غير الآخر.
واحتج القائلون بأن هذا الميقات هو ميقات الكلام وطلب الرؤية بأن قالوا إنه تعالى قال في الآية الأولى :
﴿وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا﴾ [ الأعراف : ١٤٣ ] فدلت هذه الآية على أن لفظ الميقات مخصوص بذلك الميقات، فلما قال في هذه الآية :﴿واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا﴾ وجب أن يكون المراد بهذا الميقات هو عين ذلك الميقات.
وجوابه : أن هذا الدليل ضعيف، ولا شك أن الوجوه المذكورة في تقوية القول الأول أقوى.
والله أعلم.
والوجه الثالث : في تفسير هذا الميقات ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن موسى وهرون عليهما السلام انطلقا إلى سفح جبل، فنام هرون فتوفاه الله تعالى، فلما رجع موسى عليه السلام قالوا إنه هو الذي قتل هرون، فاختار موسى قومه سبعين رجلاً وذهبوا إلى هرون فأحياه الله تعالى وقال ما قتلني أحد، فأخذتهم الرجفة هنالك، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب.
والله أعلم.
المسألة الخامسة :
اختلفوا في تلك الرجفة فقيل : إنها رجفة أوجبت الموت.


الصفحة التالية
Icon