المسألة الثالثة :
اعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال، ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً، واعتقد في المغضوب عليه كونه عاجزاً عن الدفع، فعند حصول هذه الاعتقادات الثلاثة إذا كان واقعاً في ظلمات عالم الأجسام فيغتروا بظواهر الأمور، فأما إذا انكشف له نور من عالم الغيب زالت هذه الاعتقادات الثلاثة من جهات كثيرة.
أما الاعتقاد الأول : وهو استقباح ذلك الفعل من المغضوب عليه، فإذا انكشف له أنه إنما أقدم على ذلك العمل، لأنه تعالى خلق فيه داعية جازمة راسخة، ومتى خلق الله فيه تلك الداعية امتنع منه أن لا يقدم على ذلك العمل، فإذا تجلى هذا المعنى زال الغضب، وأيضاً فقد يخطر ببال الإنسان أن الله تعالى علم منه هذه الحالة، ومتى كان كذلك فلا سبيل له إلى تركها، فعند ذلك يفر غضبه، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام :
" من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب " وأما الاعتقاد الثاني والثالث : وهو اعتقاده في نفسه كونه قادراً، وكون المغضوب عليه عاجزاً، فهذان الاعتقادان أيضاً فاسدان من وجوه : أحدها : أنه يعتقد أنه كم أساء في العمل، والله كان قادراً عليه، وهو كان أسيراً في قبضة قدرة الله تعالى، ثم إنه تجاوز عنه.
وثانيها : أن المغضوب عليه كما أنه عاجز في يد الغضبان، فكذلك الغضبان عاجز بالنسبة إلى قدرة الله.
وثالثها : أن يتذكر الغضبان ما أمره الله به من ترك إمضاء الغضب والرجوع إلى ترك الإيذاء والإيحاش.
ورابعها : أن يتذكر أنه إذا أمضى الغضب وانتقم كان شريكاً للسباع المؤذية والحياة القاتلة، وإن ترك الانتقام واختار العفو كان شريكاً لأكابر الأنبياء والأولياء.