الثاني : أنه تعالى قال :﴿أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً﴾ فقد حكم تعالى عليهم بكونهم مؤمنين حقاً فكان قوله إن شاء الله يوجب الشك فيما قطع الله عليه بالحصول وذلك لا يجوز.
والجواب عن الأول : أن الفرق بين وصف الإنسان بكونه مؤمناً، وبين وصفه بكونه متحركاً، حاصل من الوجوه الكثيرة التي ذكرناها، وعند حصول الفرق يتعذر الجمع، وعن الثاني أنه تعالى حكم على الموصوفين بالصفات المذكورة بكونهم مؤمنين حقاً، وذلك الشرط مشكوك فيه، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط.
فهذا يقوي عين مذهبنا.
والله أعلم.
الحكم الثاني
من الأحكام التي أثبتها الله تعالى للموصوفين بالصفات الخمسة قوله تعالى :﴿لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ﴾ والمعنى : لهم مراتب بعضها أعلى من بعض.
واعلم أن الصفات المذكورة قسمان : الثلاثة الأول : هي الصفات القلبية والأحوال الروحانية، وهي الخوف والإخلاص والتوكل.
والاثنتان الأخيرتان هما الأعمال الظاهرة والأخلاق.
ولا شك أن لهذه الأعمال والأخلاق تأثيرات في تصفية القلب، وفي تنويره بالمعارف الإلهية.
ولا شك أن المؤثر كلما كان أقوى كانت الآثار أقوى وبالضد، فلما كانت هذه الأخلاق والأعمال لها درجات ومراتب.
كانت المعارف أيضاً لها درجات ومراتب، وذلك هو المراد من قوله :﴿لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ﴾ والثواب الحاصل في الجنة أيضاً مقدر بمقدار هذه الأحوال.
فثبت أن مراتب السعادات / الروحانية قبل الموت وبعد الموت، ومراتب السعادات الحاصلة في الجنة كثيرة ومختلفة، فلهذا المعنى قال :﴿لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ ﴾.
فإن قيل : أليس أن المفضول إذا علم حصول الدرجات العالية للفاضل وحرمانه عنها، فإنه يتألم قلبه، ويتنغص عيشه.
وذلك مخل بكون الثواب رزقاً كريماً ؟
والجواب : أن استغراق كل واحد في سعادته الخاصة به تمنعه من حصول الحقد والحسد، وبالجملة فأحوال الآخرة لا تناسب أحوال الدنيا إلا بالاسم.


الصفحة التالية
Icon