ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ مر على باب أبي بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال :"ما منعك عن إجابتي" قال كنت أصلي قال :"ألم تخبر فيما أوحى إلي استجيبوا لله وللرسول" فقال : لا جرم لا تدعوني إلا أجيبك، والاستدلال به أن النبي ﷺ لما دعاه فلم يجبه لامه على ترك الإجابة، وتمسك في تقرير ذلك اللوم بهذه الآية فلولا دلالة هذه الآية على الوجوب، وإلا لما صح ذلك الاستدلال وقول من يقول مسألة أن الأمر يفيد الوجوب، مسألة قطعية، فلا يجوز التمسك فيها بخبر الواحد ضعيف، لأنا لا نسلم أن مسألة الأمر يفيد الوجوب مسألة قطعية، بل هي عندنا مسألة ظنية، لأن المقصود منها العمل، والدلائل الظنية كافية في المطالب العملية.
فإن قالوا : إنه تعالى ما أمر بالإجابة على الإطلاق بل بشرط خاص وهو قوله :﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ فلم قلتم إن هذا الشرط حاصل في جميع الأوامر ؟
قلنا : قصة أبي بن كعب تدل على أن هذا الحكم عام وغير مخصوص بشرط معين، وأيضاً فلا يمكن حمل الحياة ههنا على نفس الحياة.
لأن إحياء الحي محال.
فوجب حمله على شيء آخر وهو الفوز بالثواب، وكل ما دعا الله إليه ورغب فيه فهو مشتمل على ثواب، فكان هذا الحكم عاماً في جميع الأوامر وذلك يفيد المطلوب.
المسألة الثالثة :
ذكروا في قوله :﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وجوهاً : الأول : قال السدي : هو الإيمان والإسلام وفيه الحياة لأن الإيمان حياة القلب والكفر موته، يدل عليه قوله تعالى :﴿يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت﴾ [ الروم : ١٩ ] قيل المؤمن من الكافر.
الثاني : قال قتادة : يعني القرآن أي أجيبوه إلى ما في القرآن ففيه الحياة والنجاة والعصمة، وإنما سمي القرآن بالحياة لأن القرآن سبب العلم.
والعلم حياة، فجاز أن يسمى سبب الحياة بالحياة.


الصفحة التالية
Icon