أما العلم فيمتنع أن يقصد الفاعل إلى تحصيله إلا إذا علم كونه علماً ولا يعلم ذلك إلا إذا علم كون ذلك الاعتقاد مطابقاً للمعلوم ولا يعلم ذلك إلا إذا سبق علمه بالمعلوم وذلك يوجب توقف الشيء على نفسه وأما الجهل فالإنسان ألبتة لا يختاره ولا يريده إلا إذا ظن أن ذلك الاعتقاد علم، ولا يحصل له هذا الظن إلا بسبق جهل آخر، وذلك أيضاً يوجب توقف الشيء على نفسه، وأما الدواعي والإرادات فحصولها إن لم يكن بفاعل يلزم الحدوث لا عن محدث، وإن كان بفاعل فذلك الفاعل إما العبد وإما الله تعالى، والأول باطل، وإلا لزم توقف ذلك القصد على قصد آخر وهو محال، فتعين أن يكون فاعل الاعتقادات والإرادات والدواعي هو الله تعالى، فنص القرآن دل على أن أحوال القلوب من الله، والدلائل العقلية دلت على ذلك، فثبت أن الحق ما ذكرناه.
أما القائلون بالقدر فقالوا : لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم، وبيانه من وجوه :
الوجه الأول : قال الجبائي : إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز، وأمر العاجز سفه، ولو جاز ذلك لجاز أن يأمرنا الله بصعود السماء، وقد أجمعوا على أن الزمن لا يؤمر بالصلاة قائماً، فكيف يجوز ذلك على الله تعالى ؟ وقد قال تعالى :﴿لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [ البقرة : ٢٨٦ ] وقال في المظاهر :﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً﴾ [ المجادلة : ٤ ] فأسقط فرض الصوم عمن لا يستطيعه.
الوجه الثاني : أن الله تعالى أمر بالاستجابة لله وللرسول.
وذكر هذا الكلام في معرض الذكر والتحذير عن ترك الإجابة، ولو كان المراد ما ذكرتم لكان ذلك عذراً قوياً في ترك الإجابة، ولا يكون زجراً عن ترك الإجابة.


الصفحة التالية
Icon