وقال ابن عاشور :
﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾
عطف على جملة ﴿ إن الذين كفروا ينفقون أموالَهم ﴾ [ الأنفال : ٣٦ ] الآية، ويجوز أن تكون عطفاً على جملة ﴿ فقد مضتْ سنة الأولين ﴾ [ الأنفال : ٣٨ ] فتكون مما يدخل في حكم جَواب الشرط.
والتقدير : فإن يعودوا فقاتلوهم، كقوله :﴿ وإن عدتم عدنا ﴾ [ الإسراء : ٨ ] وقوله ﴿ وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله ﴾ [ التوبة : ٣ ] والضمير عائِد إلى مشركي مكة.
والفتنة اضطراب أمر الناس ومَرَجهم، وقد تقدم بيانها غير مرة، منها عند قوله تعالى :﴿ إنما نحن فتنةٌ فلا تكفر ﴾ في سورة [ البقرة : ١٠٢ ] وقوله :﴿ وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ في سورة [ العقود : ٧١ ].
والمراد هنا أن لا تكون فتنة من المشركين لأنه لما جُعل انتفاء والفتنة غاية لقتالهم، وكان قتالهم مقصوداً منه إعدامُهم أوْ إسلامهم، وبأحَد هذين يكون انتفاء الفتنة، فنتج من ذلك أن الفتنة المرادَ نفيُها كانت حاصلة منهم وهي فتنتهم المسلمين لا محالة، لأنهم إنما يفتِنون مَن خالفهم في الدين فإذا أسلموا حصل انتفاء فتنتهم وإذا أعدمهم الله فكذلك.
وهذه الآية دالة على ما ذهب إليه جمهور علماء الأمة من أن قتال المشركين واجب حتى يسلموا، وأنهم لا تقبل منهم الجزية، ولذلك قال الله تعالى هنا :﴿ حتى لا تكون فتنة ﴾ وقال في الآية الأخرى ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ﴾ [ التوبة : ٢٩ ].


الصفحة التالية
Icon