فصل


قال الفخر :
﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن ديارهم بَطَراً وَرِئَاء الناس وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾
قال المفسرون : المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير، فلما وردوا الجحفة بعث الحقاف الكناني كان صديقاً لأبي جهل إليه بهدايا مع ابن له، فلما أتاه قال : إن أبي ينعمك صباحاً ويقول لك إن شئت أن أمدك بالرجال أمددتك، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معي من قرابتي فعلت، فقال أبو جهل : قل لأبيك جزاك الله والرحم خيراً، إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله من طاقة، وإن كنا نقاتل الناس، فوالله إن بنا على الناس لقوة، والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدراً فنشرب فيها الخمور وتعزف علينا فيها القيان، فإن بدراً موسم من مواسم العرب، وسوق من أسواقهم حتى تسمع العرب بهذه الواقعة.
قال المفسرون : فوردوا بدراً وشربوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان.
واعلم أنه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء : الأول : البطر قال الزجاج : البطر الطغيان في النعمة.
والتحقيق أن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها إلى مرضاته وعرف أنها من الله تعالى فذاك هو الشكر.
وأما إن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أهل الزمان فذاك هو البطر.
والثاني : قوله :﴿وَرِئَاء الناس﴾ والرئاء عبارة عن القصد إلى إظهار الجميل مع أن باطنه يكون قبيحاً، والفرق بينه وبين النفاق أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرئاء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية.
روي أنه ﷺ لما رآهم في موقف بدر قال :" اللهم أن قريشاً أقبلت بفخرها وخيلائها لمعارضة دينك ومحاربة رسولك " والثالث : قوله :﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ فعل مضارع وعطف الفعل على الاسم غير حسن.
وذكر الواحدي فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن يكون قوله :﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ بمنزلة صادين.


الصفحة التالية
Icon