ولما ندبهم إلى القتال، أعلمهم بأنهم منصورون فيه إن لازموا آلة النصر، فقال اسئنافاً جواباً لمن قال : ما عاقبتهم إذا رغبوا فبادروا إلى ذلك؟ :﴿إن يكن﴾ ولما كانت لذة الخطاب تثير الهمم وتبعث العزائم وتوجب غاية الوثوق بالوعد، عدل عن الغيبة فقال :﴿منكم عشرون﴾ أي رجلاً :﴿صابرون﴾ أي الصبر المتقدم ﴿يغلبوا مائتين﴾ أي من الكفار، والآية من الوعد الصادق الذي حققه وقائع الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ م ﴿وإن يكن منكم مائة﴾ أي صابرة ﴿يغلبوا ألفاً﴾ أي كائنين ﴿من الذين كفروا﴾ فالآية من الاحتباك : أثبت في الأول وصف الصبر دليلاً على حذفه ثانياً، وفي الثاني الكفر دليلاً على حذفه أولاً ؛ ولعل ما أوجبه عليهم من هذه المصابرة علة للأمر بالتحريض، أي حرضهم لأني أعنت كلاً منهم على عشرة، فلا عذر لهم في التواني ؛ وعلل علوهم عليهم وغلبتهم لعن على هذا الوجه بقوله :﴿بأنهم﴾ أي هذا الذي أوجبته ووعدت بالنصر عنده بسبب أنهم، أي الكفار ﴿قوم لايفقهون﴾ أي ليس لهم فقه يعلمون به علم الحرب الذي دربه أهل الإيمان وإن كنتم ترونهم أقوياء الأبدان فيهم كفاية للقيام بما ينوبهم من أمر الدنيا لأنهم أبدان بغير معان، كما أن الدنيا كذلك صورة بلا روح، لأنهم لم يبنوا مصادمتهم على تلك الدعائم الخمس التي قدمتها لكم وألهمتكم إياها في بدر، فمن لم يجمعها لم يفقه الحرب، لأن الجيش إن لم يكن له رئيس يرجع إليه لم يفلح، وذلك الرئيس إن لم يكن أمره مستنداً إلى ملك الملوك كان قلبه ضعيفاً، وعزمه - وإن كثرت جموعه - مضطرباً، فإنهم يكونون صوراً لا معاني لها، والصور منفعله لا فعالة، والمعاني هي الفعالة، والمعتمد على الله صورته مقترنة بالمعنى، فأقل ما يكون في مقابلة اثنين من أعدائه كما حط عليه الأمر في الجهاد، ولعل هذا هو السر في انتصار الخوارج - من أتباع شبيب وأنظاره على قلتهم - على الجيوش التي كانوا يلقونها عن ملوك زمانهم على