ولا يخفى ضعف هذا الإستدلال، إذ لا يلزم من ثبوت الحق تعيين الفرض، على أن معنى الحديث أعطى كل ذي حق حقه مفصلاً ومجملاً، وقد أعطاهم حق الأولوية العامة، ووكل بيان ما يفهم من إجمال الإرث بعمومها لاستنباط الراسخين وفهمهم على قاعدة عمومات التنزيل.
وقد رأيت في هذه المسألة مقالة بديعة أوردها الحسن الصابئ في " تاريخ الوزراء " في أخبار وزارة أبي الحسن بن الفرات، نأثرها هنا، لأنها جمعت فأوعت، قال رحمه الله :
ونسخة ما كتب به أبو خازم إلى بدر المعتضدي جواب كتابة إليه في أمر المواريث : وصل كتاب الأمير، يذكر أنه احتيج إلى كتابي بالذي أراه واجباً من مال المواريث لبيت المال، ومالاً أراه واجباً منه، وتلخيص ذلك وتبيينه - وأنا أذكر للأمير الذي حضرني من الجواب في هذه المسألة والحجة فيما سأل عنه ليقف على ذلك إن شاء الله -.
الناس مختلفون في توريث الأقارب، فروي عن زيد بن ثابت أنه جعل التركة - إذا لم يكن للمتوفى من يرثه من عصبة وذي سهم - لجماعة من المسلمين وبيت
مالهم، وكذلك يقول في الفصل بعد السهمان المسماة، إذا لم تكن عصبة، ولم يرو ذلك عن أحد من الصحابة سوى زيد بن ثابت.
وقد خالفه عُمَر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجعلوا ما يفضل من السهمان رداً على أصحاب السهام من القرابة، وجعلوا المال لذي الرحم إذا لم يكن وارث سواه.
والسنة تعاضد ما روي عنهم، وتخالف ما روي عن زيد بن ثابت، وتأويل القرآن يوجب ما ذهبوا إليه، وليس لأحد أن يقول في خلاف السنة والتنزيل بالرأي.
قال الله تعالى :﴿ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾. فصير القريب أولى من البعيد، وإلى هذا ذهب عمر وعلي وعبد الله رضي الله عنهم ومن تابعهم من الأئمة، وعليه اعتمدوا، وبه تمسكوا - والله أعلم ـ.