قَالَ : وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا وَهَذَا هُوَ الصِّنْفُ الثَّانِي فِي الْفَضْلِ كَالذِّكْرِ، وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ آوَوُا الرَّسُولَ وَمَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ سَبَقُوهُمْ بِالْإِيمَانِ وَنَصَرُوهُمْ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَحْصُلْ فَائِدَةُ الْهِجْرَةِ وَلَمْ تَكُنْ مَبْدَأَ الْقُوَّةِ وَالسِّيَادَةِ، فَالْإِيوَاءُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى التَّأْمِينِ مِنَ الْمَخَافَةِ، إِذِ الْمَأْوَى هُوَ الْمَلْجَأُ وَالْمَأْمَنُ، وَمِنْهُ : إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ (١٨ : ١٠)، فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ (١٨ : ١٦) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٩٣ : ٦)، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (٧٠ : ١٣)، آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ (١٢ : ٦٩) وَقَدْ أُطْلِقَ الْمَأْوَى فِي التَّنْزِيلِ عَلَى الْجَنَّةِ وَهُوَ عَلَى الْأَصْلِ فِي اسْتِعْمَالِهِ، وَعَلَى نَارِ الْجَحِيمِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّهَكُّمِ، وَنُكْتَتُهُ بَيَانُ أَنَّ مَنْ كَانَتِ النَّارُ مَأْوَاهُ لَا يَكُونُ لَهُ مَلْجَأٌ يَنْضَوِي إِلَيْهِ، وَلَا مَأْمَنٌ يَعْتَصِمُ بِهِ، وَقَدْ كَانَتْ (يَثْرِبُ) مَأْوَى وَمَلْجَأً لِلْمُهَاجِرِينَ شَارَكَهُمْ أَهْلُهَا فِي أَمْوَالِهِمْ، وَآثَرُوهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا أَنْصَارَ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُقَاتِلُونَ مَنْ قَاتَلَهُ وَيُعَادُونَ مَنْ عَادَاهُ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللهُ حُكْمَهُمْ وَحُكْمَ الْمُهَاجِرِينَ وَاحِدًا فِي قَوْلِهِ : أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ أَيْ : يَتَوَلَّى بَعْضُهُمْ مِنْ أَمْرِ الْآخَرِينَ أَفْرَادًا أَوْ جَمَاعَاتٍ مَا يَتَوَلَّوْنَهُ مِنْ أَمْرِ أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ مِنْ تَعَاوُنٍ وَتَنَاصُرٍ فِي الْقِتَالِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْغَنَائِمِ


الصفحة التالية
Icon