إذا ثبت هذا فنقول : إما أن يكون الاختلاف في الصفات موجباً إنكار الذات أو لا يوجب ذلك ؟ فإن أوجبه لزم في أكثر فرق المسلمين أن يقال : إنهم أنكروا الإله، وإن لم يوجب ذلك لم يلزم من ذهاب بعض اليهود وذهاب النصارى إلى الحلول والاتحاد كونهم منكرين للإيمان بالله، وأيضاً فمذهب النصارى أن أقنوم الكلمة حل في عيسى، وحشوية المسلمين يقولون : إن من قرأ كلام الله فالذي يقرؤه هو عين كلام تعالى، وكلام الله تعالى مع أنه صفة الله يدخل في لسان هذا القارىء وفي لسان جميع القراء، وإذا كتب كلام الله في جسم فقد حل كلام الله تعالى في ذلك الجسم فالنصارى إنما أثبتوا الحلول والاتحاد في حق عيسى.
وأما هؤلاء الحمقى فأثبتوا كلمة الله في كل إنسان قرأ القرآن، وفي كل جسم كتب فيه القرآن، فإن صح في حق النصارى أنهم لا يؤمنون بالله بهذا السبب، وجب أن يصح في حق هؤلاء الحروفية والحلولية أنهم لا يؤمنون بالله، فهذا تقرير هذا السؤال.
والجواب : أن الدليل دل على أن من قال إن الإله جسم فهو منكر للإله تعالى، وذلك لأن إله العالم موجود ليس بجسم ولا حال في الجسم، فإذا أنكر المجسم هذا الموجود فقد أنكر ذات الإله تعالى، فالخلاف بين المجسم والموحد ليس في الصفة، بل في الذات، فصح في المجسم أنه لا يؤمن بالله أما المسائل التي حكيتموها فهي اختلافات في الصفة، فظهر الفرق.
وأما إلزام مذهب الحلولية والحروفية، فنحن نكفرهم قطعاً، فإنه تعالى كفر النصارى بسبب أنهم اعتقدوا حلول كلمة ﴿الله﴾ في عيسى وهؤلاء اعتقدوا حلول كلمة ﴿الله﴾ في ألسنة جميع من قرأ القرآن، وفي جميع الأجسام التي كتب فيها القرآن، فإذا كان القول بالحلول في حق الذات الواحدة يوجب التكفير، فلأن يكون القول بالحلول في حق جميع الأشخاص والأجسام موجباً للقول بالتكفير كان أولى.
والصفة الثانية : من صفاتهم أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر.


الصفحة التالية
Icon