المسألة الثالثة :
يقال : استنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون نفراً ونفوراً، إذا حثهم ودعاهم إليه، ومنه قول النبي ﷺ :" إذا استنفرتم فانفروا " وأصل النفر الخروج إلى مكان لأمر واجب، واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير، ومنه قولهم : فلان لا في العير ولا في النفير.
وقوله :﴿اثاقلتم إِلَى الأرض﴾ أصله تثاقلتم، وبه قرأ الأعمش ومعناه : تباطأتم ونظيره قوله :﴿فادارأتم﴾ [ البقرة : ٧٢ ] وقوله :﴿قَالُواْ اطيرنا بِكَ﴾ [ النمل : ٤٧ ] قال صاحب "الكشاف" : وضمن معنى الميل والإخلاد فعدي ب ( إلى )، والمعنى ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، ونظيره ﴿أَخْلَدَ إِلَى الأرض واتبع هَوَاهُ﴾ [ الأعراف : ١٧٦ ] وقيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها، وقوله :﴿مَالَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ﴾ وإن كان في الظاهر استفهاماً إلا أن المراد منه المبالغة في الإنكار.
ثم قال تعالى :﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾ والمعنى كأنه قيل قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال، وقد شرحنا المنافع العظيمة التي تحصل عند القتال، وبينا أنواع فضائحهم وقبائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، فتركتم جميع هذه الأمور، أليس أن معبودكم يأمركم بمقاتلتهم وتعلمون أن طاعة المعبود توجب الثواب العظيم في الآخرة ؟ فهل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة، لأجل المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا ؟ والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل، إن لذات الدنيا خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفات والبليات ومنقطعة عن قريب لا محالة، ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات، ودائمة أبدية سرمدية وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا قليل حقير خسيس.
المسألة الرابعة :