﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [ النحل : ٩ ]، ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [ الأنفال : ٣٣ ] فمن القرآن ما أنزل على الوجه الذي بعث له وجبل عليه ووصى به نحو قوله تعالى :﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة﴾ [ المؤمنون : ٩٦ ] وقوله تعالى :﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ [ الأعراف : ١٩٩ ] وقوله تعالى :﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾ [ آل عمران : ١٥٩ ] وقوله تعالى :﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ [ الحجر : ٨٥ ] وقوله تعالى ﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾ [ الزخرف : ٨٩ ] وأصل معناه في مضمون قوله تعالى :﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم﴾ [ التوبة : ١٢٨ ] فما كان من المنزل على هذا الوجه تعاضدت فيه الوصية والكتاب وقبله هو ـ ﷺ ـ جبلة وحالاً وعملاً ولم تكن له عنه وقفة لتظافر الأمرين وتوافق الخطابين : خطاب الوصية، وخطاب الكتاب ؛ وهذا الوجه من المنزل خاص بالقرآن العظيم الذي هو خاص به ـ ﷺ ـ، لم يؤته أحد قبله ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ [ الحجر : ٨٧ ] ومن القرآن ما أنزل على حكم العدل والحق المتقدم فضله في سنن الأولين وكتب المتقدمين وإمضاء عدل الله سبحانه في المؤاخذين والاكتفاء بوصل الواصل وإبعاد المستغني والإقبال على القاصد والانتقام من الشارد، وذلك خلاف ما جبل الله عليه نبيه وما وصى به حبيبه ـ ﷺ ـ ؛ فكان ـ ﷺ ـ إذا أنزل عليه - أي من الكتاب - على مقتضى الحق وإمضاء العدل ترقب تخفيفه وترجى تيسيره حتى يعلن عليه بالإكراه في أخذه والتزام حكمه فحينئذ يقوم لله به ويظهر عذره في إمضائه فيكون له في خطاب التشديد عليه في أخذه أعظم مدح وأبلغ ثناء من الله ضد ما يتوهمه الجاهلون، فمما أنزل إنباء عن مدحه بتوقفه على إمضاء حكم العدل والحق رجاء تدارك الخلق واستعطاف