والوجه الثاني : من الجواب أن نسلم أن العتاب في قوله :﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ إنما توجه لأنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في القعود، فنقول : ذلك العتاب ما كان لأجل أن ذلك القعود كان مفسدة، بل لأجل أن إذنه عليه الصلاة والسلام بذلك القعود كان مفسدة وبيانه من وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام أذن قبل إتمام التفحص وإكمال التأمل والتدبر، ولهذا السبب قال تعالى :﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الكاذبين﴾ والثاني : أن بتقدير أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأذن لهم في القعود ؛ فهم كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم، وكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم، وإذا ظهر نفاقهم احترز المسلمون منهم ولم يغتروا بقولهم، فلما أذن الرسول في القعود بقي نفاقهم مخفياً وفاتت تلك المصالح.
والثالث : أنهم لما استأذنوا رسول الله ﷺ غضب عليهم وقال :﴿اقعدوا مَعَ القاعدين﴾ على سبيل الزجر كما حكاه الله في آخر هذه الآية وهو قوله :﴿وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين﴾ ثم إنهم اغتنموا هذه اللفظة وقالوا : قد أذن لنا فقال تعالى :﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ أي لم ذكرت عندهم هذا اللفظ الذي أمكنهم أن يتوسلوا به إلى تحصيل غرضهم ؟ الرابع : أن الذين يقولون الاجتهاد غير جائز على الأنبياء عليهم السلام قالوا : إنه إنما أذن بمقتضى الاجتهاد، وذلك غير جائز، لأنهم لما تمكنوا من الوحي وكان الإقدام على الاجتهاد مع التمكن من الوحي جارياً مجرى الإقدام على الاجتهاد مع حصول النص، فكما أن هذا غير جائز فكذا ذاك.
المسألة الثانية :
قالت المعتزلة البصرية : الآية دالة على أنه تعالى كما هو موصوف بصفة المريدية هو موصوف بصفة الكارهية، بدليل قوله تعالى :﴿ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم﴾ قال أصحابنا : معنى ﴿كَرِهَ الله﴾ أراد عدم ذلك الشيء.