والمرتبة الثالثة : وهي أن الإنسان إذا لم يبلغ إلى تلك الدرجة العالية التي عندها يقول :﴿حَسْبُنَا الله﴾ نزل منها إلى مرتبة أخرى وهي أن يقول :﴿سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ إما في الدنيا إن اقتضاه التقدير، وإما في الآخرة وهي أولى وأفضل.
والمرتبة الرابعة : أن يقول :﴿إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ فنحن لا نطلب من الإيمان والطاعة أخذ الأموال والفوز بالمناصب في الدنيا، وإنما المراد إما اكتساب سعادات الآخرة.
وإما الاستغراق في العبودية على ما دل لفظ الآية عليه فإنه قال :﴿إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ ولم يقل : إنا إلى ثواب الله راغبون.
ونقل أن عيسى عليه السلام مر بقوم يذكرون الله تعالى فقال : ما الذي يحملكم عليه ؟ قالوا : الخوف من عقاب الله، فقال : أصبتم ثم مر على قوم آخرين يذكرون الله، فقال : ما الذي يحملكم عليه، فقالوا : الرغبة في الثواب، فقال : أصبتم، ثم مر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسألهم فقالوا : لا نذكره للخوف من العقاب، ولا للرغبة في الثواب، بل لإظهار ذلة العبودية، وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته، وتشريف اللسان بالألفاظ الدالة على صفات قدسه وعزته.
فقال : أنتم المحقون المحققون. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٦ صـ ٧٩ ـ ٨٠﴾