وحجة أصحابنا على عدم وجوب قبول التوبة وجوه : الأول : أن الوجوب لا يتقرر معناه ألا إذا كان بحيث لو لم يفعله الفاعل لاستحق الذم، فلو وجب قبول التوبة على الله تعالى لكان بحيث لو لم يقبلها لصار مستحقاً للذم، وهذا محال، لأن من كان كذلك فإنه يكون مستكملاً بفعل القبول، والمستكمل بالغير ناقص لذاته وذلك في حق الله تعالى محال.
الثاني : أن الذم إنما يمنع من الفعل إذا كان بحيث يتأذى عن سماع ذلك الذم وينفر عنه طبعه، ويظهر له بسببه نقصان حال، أما من كان متعالياً عن الشهوة والنفرة والزيادة والنقصان لا يعقل تحقق الوجوب في حقه بهذا المعنى، الثالث : أنه تعالى تمدح بقبول التوبة في هذه الآية، ولو كان ذلك واجباً لما تمدح به، لأن أداء الواجب لا يفيد المدح والثناء والتعظيم.
المسألة الخامسة :
﴿عَنْ﴾ في قوله تعالى :﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ فيه وجهان : الأول : أنه لا فرق بين قوله :﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ وبين قوله : من عباده يقال : أخذت هذا منك وأخذت هذا عنك.
والثاني : قال القاضي : لعل ﴿عَنْ﴾ أبلغ لأنه ينبىء عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت، وأقول : إنه لم يبين كيفية دلالة لفظة ﴿عَنْ﴾ على هذا المعنى، والذي أقوله إن كلمة ﴿عَنْ﴾ وكلمة "من" متقاربتان، إلا أن كلمة ﴿عَنْ﴾ تفيد البعد، فإذا قيل : جلس فلان عن يمين الأمير، أفاد أنه جلس في ذلك الجانب لكن مع ضرب من البعد فقوله :﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ يفيد أن التائب يجب أن يعتقد في نفسه أنه صار مبعداً عن قبول الله تعالى له بسبب ذلك الذنب، ويحصل له انكسار العبد الذي طرده مولاه، وبعده عن حضرة نفسه، فلفظة ﴿عَنْ﴾ كالتنبيه على أنه لا بد من حصول هذا المعنى للتائب.
المسألة السادسة :


الصفحة التالية
Icon