والفجور يقرب إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً، ألا ترى أنه يقال صدقت وبررت وكذبت وفجرت، الثالث : قيل في قوله تعالى حكاية عن إبليس :﴿فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [ ص : ٨٢، ٨٣ ] إن إبليس إنما ذكر هذا الاستثناء، لأنه لو لم يذكره لصار كاذباً في ادعاء إغواء الكل، فكأنه استنكف عن الكذب فذكر هذا الاستثناء، وإذا كان الكذب شيئاً يستنكف منه إبليس، فالمسلم أولى أن يستنكف منه.
الرابع : من فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات، ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب، واختلف الناس في أن المقتضي لقبحه ما هو ؟ فقال أصحابنا : المقتضي بقبحه هو كونه مخلاً لمصالح العالم ومصالح النفس، وقالت المعتزلة : المقتضى لقبحه هو كونه كذباً ودليلنا قوله تعالى :﴿يا أيها الذين ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ على مَا فَعَلْتُمْ نادمين﴾ [ الحجرات : ٦ ] يعني لا تقبلوا قول الفاسق فربما كان كذباً، فيتولد عن قبول ذلك الكذب فعل تصيرون نادمين عليه، وذلك يدل على أنه تعالى إنما أوجب رد ما يجوز كونه كذباً لاحتمال كونه مفضياً إلى ما يضاد المصالح، فوجب أن يكون المقتضى لقبح الكذب إفضاءه إلى المفاسد، واحتج القاضي على قوله بأن من دفع إلى طلب منفعة أو دفع مضرة وأمكنه الوصول إلى ذلك بأن يكذب وبأن يصدق فقد علم ببديهة العقل أنه لا يجوز أن يعدل عن الصدق إلى الكذب، ولو أمكنه أن يصل إلى ذلك بصدقين لجاز أن يعدل من أحدهما إلى الآخر، فلو كان الكذب يحسن لمنفعة أو إزالة مضرة لكان حاله حال الصدق.