والدليل عليه أن الإنسان الحسود لو أراد إزالة خلق الحسد عن نفسه، يمكنه أن يترك الأفعال المشعرة بالحسد، وأما الحالة القلبية المسماة بالحسد، فلا يمكنه إزالتها عن نفسه، وكذا القول في جميع الأخلاق فأصل القدرة غير، والفعل غير، والخلق غير، فإن أصل القدرة حاصل للكل أما الأخلاق فالناس فيها متفاوتون.
والحاصل أن النفس الطاهرة النقية عن حب الدنيا الموصوفة باستيلاء حب الله تعالى والآخرة إذا سمعت السورة صار سماعها موجباً لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا، وأما النفس الحريصة على الدنيا المتهالكة على لذاتها الراغبة في طيباتها الغافلة عن حب الله تعالى والآخرة، إذا سمعت هذه السورة المشتملة على الجهاد وتعريض النفس للقتل والمال للنهب ازداد كفراً على كفره.
فثبت أن إنزال هذه السورة في حق هذا الكافر موجب لأن يزيد رجساً على رجس، فكان إنزالها سبباً في تقوية الكفر على قلب الكافر وذلك يدل على ما ذكرنا أنه تعالى قد يصد الإنسان ويمنعه عن الإيمان والرشد ويلقيه في الغي والكفر.
بقي في الآية مباحث : الأول : ما في قوله :﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾ صلة مؤكدة.
الثاني : الاستبشار استدعاء البشارة، لأنه كلما تذكر تلك النعمة حصلت البشارة، فهو بواسطة تجديد ذلك التذكر يطلب تجديد البشارة.
الثالث : قوله :﴿وَأَمَّا الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ يدل على أن الروح لها مرض، فمرضها الكفر والأخلاق الذميمة، وصحتها العلم والأخلاق الفاضلة، والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٦ صـ ١٨٣ ـ ١٨٤﴾


الصفحة التالية
Icon