واعلم أن عرض صحف الملائكة على الناس كأفلام السينما الآتي بيانها في الآية ٢٩ من آل عمران في ج ٣ والآية ٤٩ من سورة الكهف الآتية، قال تعالى "هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ" يا أهل مكة كغيركم "فِي الْبَرِّ" على دوابه وانعامه "وَالْبَحْرِ" على فلكه وسفنه ويهديكم إلى مقاصدكم بالعلامات الأرضية من الأودية والجبال والأنهار والعلامات السماوية من النجوم السيارة والثابتة ويسهل لكم أسباب معايشكم "حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ" أي الفلك بأداة الجمع، لأن فلكا يطلق على الواحد والمتعدد وصرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريق الالتفات أحد أبواب البديع قصدا للمبالغة، كأنه يذكرها لهم بغيرهم ليعجّبهم منها ويطلب زيادة الإنكار، لأن الالتفات على الوجه المار ذكره أو بعكسه من أنواع الفصاحة في الكلام "بِهِمْ" بركاب تلك السفن "بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ" لينة الهبوب لا خفيفة ولا عاصفة، وما قيل إنها ساكنة فيكون المراد بها هذا المعنى لا إنها واقفة، إذ لا يستفاد منها بالسير "وَفَرِحُوا بِها" ركابها لموافقتها لمقصودهم ولوجود النفع التام بها والمسرة العظيمة لاستقامة سيرهم وتيسيره "جاءَتْها" جاءت تلك السفينة السائرة بذلك الهواء اللين أو جاءت تلك الريح الطيبة "رِيحٌ عاصِفٌ" شديد سريع الجريان قاطع للأجسام الصلبة ولم يقل عاصفة لأن عاصفا يستوي فيه المذكر والمؤنث "وَجاءَهُمُ" أي ركاب ذلك الفلك بسبب تلك الريح "الْمَوْجُ" هو ما علا وارتفع من اضطراب المياه وغواربها من شدة حركة ماء البحر واختلاطه بعضه ببعض "مِنْ كُلِّ مَكانٍ"