من أطرافهم الأربع ومن تحتهم وفوقهم "وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ" من الجهات الست، وأشرفوا على الغرق وتيقنوا الهلاك، "دَعَوُا اللَّهَ" وحده لا غير "مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" إخلاصا حقيقيا لعلمهم يقينا أنه لا ينجيهم من الشدائد والبلايا إلا هو وأن أوثانهم لا تغني عنهم شيئا من ذلك قائلين "لَئِنْ أَنْجَيْتَنا" يا ربنا "مِنْ هذِهِ" الشدة "لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ٢٢" أنعامك علينا بخلاصنا موقنين بأنك الإله الواحد، مؤمنين بصدق أنبيائك، متمسكين بطاعتك، ولم يقولوا لنشكرنّك مبالغة في الدلالة على الثبوت في الشكر والمثابرة عليه، لأن اسم الفاعل يدل على الدوام والتجدد، والفعل يدل على الإنشاء فقط، قال تعالى "فَلَمَّا أَنْجاهُمْ" الذي استغاثوا به جل جلاله من ذلك الضيق الذي أحاط بهم بسبب التجائهم إليه "إِذا هُمْ يَبْغُونَ" يفسدون "فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ" يعبثون
بمن يمشي عليها ويتجاوزون عليهم ويعملون بغير ما أمروا وأخلفوا ما وعدوا اللّه به من الشكر والإيمان، قال تعالى "يا أَيُّهَا النَّاسُ" الباغون المتجاوزون
على الغير "إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ" يعود إثمه ووباله، قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها) الآية ٤٥ من سورة الجاثية ونظيرتيها الآية ٥٦ من سورة الشورى الآتيتين، واعلموا أنكم تتمتعون يبغيكم هذا "مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا" مدة حياتكم فيها وهي قليلة "ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ" في الآخرة الدائمة "فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٣" بأن نخبركم في الآخرة عن أعمالكم في الدنيا ونجازيكم عليها الخير بأخير منه وانشر بمثله.
مطلب البغي ومتى يكون مذموما ومتى يكون ممدوحا وحكمه :


الصفحة التالية
Icon