و لا نعقل ما تقولون، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا، فيقول الكفار واللّه إياكم كنا نعبد، فتقول الأوثان "فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشان "كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ" ٢٩ أي أن شهادة اللّه كافية على أننا لم نعلم بعبادتكم فضلا عن أننا جماد لا نشعر بشيء، وهذا ظاهر في الأوثان لأنها غافلة لا تعلم شيئا من ذلك، أما غيرها من العاقلة المتنبّهة العالمة كالملائكة وعزير والمسيح فتؤول كلمة غافلين بحقهم على عدم الرضاء بعبادتهم، كما تؤول على عدم الشعور بحق الأصنام، فيقول هؤلاء إنا لم نلق لعبادتهم بالا، ولم نرض بها، وكنا غافلين عنها، وتقول الأصنام إنا لم نشعر بعبادتهم ولا نعلم بها.
هذا إذا كانت الملائكة وعزير والمسيح عالمين بعبادة العابدين لهم يكون جوابهم على نحو ما ذكر آنفا، أما إذا لم يكونوا عالمين بها وهو أولى لأن اللّه تعالى لما سأل الملائكة عن الأسماء قالوا (لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا) الآية ٣٢ من سورة البقرة، وكان صلى اللّه عليه وسلم يسأل جبريل عن أشياء أحيانا فيقول له لا أعلم، ولقول عيسى عليه السلام جوابا لربه أيضا (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ) الآية ١١٥ من المائدة في ج ٣، مما يدلّ على عدم شعورهم لعبادة عابديهم، وعلى هذا يكون معنى غافلين بحقهم أيضا مثل معناه في حق الأصنام لتساويهم في عدم العلم.
ولا يخفى أن الملائكة الذين عبدوا غير الحفظة الملازمين لبني آدم.


الصفحة التالية
Icon