ولا فائدة بل لا وجه لاعتبار مشيئة القسر والإلجاء خاصة في تفريع الإنكار وقيل الهمزة في موضعها والعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام كأنه قيل أربك لا يشاء أفأنت يا محمد تكرههم على الإيمان، والإنكار متوجه إلى ترتيب الإكراه المذكور على مشيئته تعالى، والإباء هو الإباء، فلا بد من حمل المشيئة على إطلاقها،
والمراد بالناس من طبع عليهم أو الجميع على طريق المبالغة، ومن المعلوم أن المشيئة غير الإرادة، فإن اللّه تبارك وتعالى أمر الكافر بالإيمان وأراد منه الكفر بمقتضى مشيئته الأزلية، وهذا مما لا نزاع فيه، حتى أن الإنسان قد يأمر خادمه بشيء وهو يريد غيره، قال ابن عباس : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يحرص على أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره عز وجل أنه لا يؤمن إلّا من سبقت له السعادة في الذكر الأول، ولم يقل إلّا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأول أي اللوح المحفوظ الذي فيه سابق علم اللّه الأزلي بما كان وما يكون، قال تعالى "وَما كانَ" ما صح وما استقام ولا جاز "لِنَفْسٍ" من النفوس التي علم اللّه تعالى "أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ" ومشيئته وإرادته.
وهذه الآية بيان لنبعية إيمان النفوس التي علم اللّه تعالى إيمانها بمشيئته وجودا وعدما بعد بيان الدوران الكلي عليها كذلك، وتقرير لما يدل عليه الكلام السابق من أن خلاف المشيئة مستحيل "وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ" الكفر بقرينة ما قبله قال تعالى (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) الآية ١٣٧ من سورة التوبة في ج ٣.
وقيل السخط والعذاب وأصله الشيء الفاسد المستقذر، وعبّر عن الكفر بالرجس لأنه علم في الفساد والاستقذار، راجع الآية ١٢٨ من سورة الأنعام الآتية.