﴿ وهم من بعد غلبهم سيغلبون ﴾ [ الروم : ٣ ] وكقوله ﴿ لتدخلن المسجد الحرام ﴾ [ الفتح : ٢٧ ] ونحو ذلك من غيوب القرآن فبين أن البشر مقصر عن ذلك، وأما التحدي بالنظم فبين أيضاً أن البشر مقصر عن نظم القرآن إذ الله عز وجل قد أحاط بكل شيء علماً، فإذا قدر الله اللفظة في القرآن علم بالإحاطة اللفظة التي هي أليق بها في جميع كلام العرب في المعنى المقصود، حتى كمل القرآن على هذا النظام الأول فالأول، والبشر مع أن يفرض أفصح العالم، محقوق بنيان وجهل بالألفاظ والحق وبغلط وآفات بشرية، فمحال أن يمشي في اختياره على الأول فالأول، ونحن نجد العربي ينقح قصيدته - وهي الحوليات - يبدل فيها ويقدم ويؤخر، ثم يدفع تلك القصيدة إلى أفصح منه فيزيد في التنقيح، ومذهب أهل الصرفة مكسور بهذا الدليل، فما كان قط في العالم إلا من فيه تقصير سوى من يوحي إليه الله تعالى، وميّزت فصحاء العرب هذا القدر من القرآن وأذعنت له لصحة فطرتها وخلوص سليقتها وأنهم يعرف بعضهم كلام بعض ويميزه من غيره، كفعل الفرزدق في أبيات جرير، والجارية في شعر الأعشى، وقول الأعرابي " عرفجكم " فقطع ونحو ذلك مما إذا تتبع بان. والقدر المعجز من القرآن ما جمع الجهتين " اطراد النظم والسرد، وتحصيل المعاني وتركيب الكثير منها في اللفظ القليل : فأما مثل قوله تعالى :﴿ مدهامتان ﴾ [ الرحمن : ٦٤ ] وقوله ﴿ ثم نظر ﴾ [ المدثر : ٢١ ] فلا يصح التحدي بالإتيان بمثله لكن بانتظامه واتصاله يقع العجز عنه، وقوله ﴿ مثله ﴾ صفة للسورة والضمير عائد على القرآن المتقدم الذكر، كأنه قال : فأتوا بسورة مثل القرآن أي في معانيه وألفاظه، وخلطت فرق في قوله " مثله " من جهة اللسان كقول الطبري : ذلك على المعنى، ولو كان على اللفظ لقال :" مثلها "، وهذا وهم بيّن لا يحتاج إليه، وقرأ عمرو بن فائد " بسورةِ مثلهِ "، على الإضافة، قال أبو الفتح : التقدير بسورة كلام مثله، قال