فصل فى التفسير الإشارى فى الآيات السابقة
وقال الآلوسى :
ومن باب الإشارة في الآيات :﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِى ءاياتنا ﴾ وهو احتجابهم عن قبول صفات الحق وذلك لأنه بتوفر النعم الظاهرة والمرادات الجسمانية يقوي ميل النفس إلى الجهة السفلية فتحتجب عن قبول ذلك كما أنه بأنواع البلاء تنكسر سورة النفس ويتلطف القلب ويحصل الميل إلى الجهة العلوية والتهيؤ لقبول ذلك ﴿ قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْرًا ﴾ بإخفاء القهر الحقيقي في هذا اللطف الصوري ﴿ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ [ يونس : ٢١ ] في ألواح الملكوت ﴿ هُوَ الذى يُسَيّرُكُمْ فِى البر والبحر ﴾ أي يسير نفوسكم في بر المجاهدات وقلوبكم في بحر المشاهدات، وقيل : يسير عقولكم في بر الأفعال وأرواحكم في بحر الصفات والذات ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك ﴾ أي فلك العناية الإزلية ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ ﴾ وهي ريح صبا وصاله سبحانه ﴿ وَفَرِحُواْ بِهَا ﴾ لايذانها بذلك وتعطرها بشذا ديار الأنس ومرابع القدس :
ألا يا نسيم الريح مالك كلما...
تقربت منا زاد نشرك طيبا
أظن سليمى خبرت بسقامنا...
فأعطتك رياها فجئت طبيباً
﴿ جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الموج مِن كُلّ مَكَانٍ ﴾ وذلك عاصف القهر وأمواج صفات الجلال، وهذه سنة جارية في العاشقين لا يستمر لهم حال ولا يدوم لهم وصال، ولله در من قال :
فبتنا على رغم الحسود وبيننا...
شراب كريح المسك شيب به الخمر
فوسدتها كفى وبت ضجيعها...
وقلت لليلى طل فقد رقد البدر
فلما أضاء الصبح فرق بيننا...
وأي نعيم لا يكدره الدهر