وقال ابن عطية :
﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾
الضمير في قوله ﴿ من بعده ﴾ عائد على نوح عليه السلام والضمير في ﴿ قومهم ﴾ عائد على الرسل، ومعنى هذه الآيات كلها ضرب المثل لحاضري محمد ﷺ، أي كما حل بهؤلاء يحل بكم، و﴿ البينات ﴾ المعجزات والبراهين الواضحة، والضمير في قوله ﴿ كانوا ﴾ وفي ﴿ ليؤمنوا ﴾ عائد على قوم الرسل، والضمير في ﴿ كانوا ﴾ عائد على قوم نوح، وهذا قول بعض المتأولين، وقال بعضهم : بل تعود الثلاثة على قوم الرسل على معنى أنهم بادروا رسلهم بالتكذيب كلما جاء رسول ثم لجوا في الكفر وتمادوا فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم، وقال يحيى بن سلام ﴿ من قبل ﴾ معناه من قبل العذاب.
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا القول بعد، ويحتمل اللفظ عندي معنى آخر وهو أن تكون " ما " مصدرية والمعنى فكذبوا رسلهم فكان عقابهم من الله أن لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم من قبل أي من سببه ومن جراه، ويؤيد هذا التأوليل قوله ﴿ كذلك نطبع ﴾، وقال بعض العلماء : عقوبة التكذيب الطبع على القلوب، وقرأ جمهور الناس :" نطبع " بالنون، وقرأ العباس بن الفضل :" يطبع " بالياء، وقوله ﴿ كذلك ﴾ أي هذا فعلنا بهؤلاء، ثم ابتدأ ﴿ كذلك نطبع ﴾ أي كفعلنا هذا و﴿ المعتدين ﴾ هم الذين تجاوزوا طورهم واجترحوا ما لا يجوز لهم وهي ها هنا في الكفر. أ هـ ﴿المحرر الوجيز حـ ٣ صـ ﴾