ثم قال تعالى :﴿أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ والمعنى : أن الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم في صحة هذا الدين يؤمنون.
واعلم أن المطالب على قسمين منها ما يعلم صحتها بالبديهة، ومنها ما يحتاج في تحصيل العلم بها إلى طلب واجتهاد، وهذا القسم الثاني على قسمين، لأن طريق تحصيل المعارف إما الحجة والبرهان المستنبط بالعقل وإما الاستفادة من الوحي والإلهام، فهذا الطريقان هما الطريقان اللذان يمكن الرجوع إليهما في تعريف المجهولات، فإذا اجتمعا واعتضد كل واحد منهما بالآخر بلغا الغاية في القوة والوثوق، ثم إن في أنبياء الله تعالى كثرة، فإذا توافقت كلمات الأنبياء على صحته، وكان البرهان اليقيني قائماً على صحته، فهذه المرتبة قد بلغت في القوة إلى حيث لا يمكن الزيادة فقوله :﴿أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ﴾ المراد بالبينة الدلائل العقلية اليقينية، وقوله :﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ﴾ إشارة إلى الوحي الذي حصل لمحمد عليه السلام، وقوله :﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إَمَامًا وَرَحْمَةً﴾ إشارة إلى الوحي الذي حصل لموسى عليه السلام، وعند اجتماع هذه الثلاثة قد بلغ هذا اليقين في القوة والظهور والجلاء إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه.
ثم قال تعالى :﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الاحزاب فالنار مَوْعِدُهُ﴾ والمراد من الأحزاب أصناف الكفار، فيدخل فيهم اليهود والنصارى والمجوس.
روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال :" لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار " قال أبو موسى : فقلت في نفسي إن النبي ﷺ لا يقول مثل هذا إلا عن القرآن، فوجدت الله تعالى يقول :﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الاحزاب فالنار مَوْعِدُهُ﴾ وقال بعضهم : لما دلت الآية على أن من يكفر به فالنار موعده، دلت على أن من لا يكفر به لم تكن النار موعده.


الصفحة التالية
Icon