ولما كان قوله ﴿نسخر منكم﴾ واقعاً موقع هذا الإخبار، حسن الإتيان بالفاء المؤذنة بتسبب العلم المذكور عنه في قوله :﴿فسوف تعلمون﴾ أي بوعد لا خلف فيه ﴿من يأتيه عذاب يخزيه﴾ أي يفضحه فيذله، وكأن المراد به عذاب الدنيا ﴿ويحل عليه﴾ أي حلول الدين الذي لا محيد عنه ﴿عذاب مقيم﴾ وهو عذاب الآخرة، وقد مضى نحوه في الأنعام عند قوله ﴿فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار﴾ ؛ والسخرية : إظهار ما يخالف الإبطان على جهة تفهم استضعاف العقل، من التسخير وهو التذليل استضعافاً بالقهر، وهي تفارق اللعب بأن فيها خدعة استنفاض، فلا تكون إلا بحيوان، واللعب قد يكون بجماد لأنه مطلق طلب الفرح ؛ والخزي : العيب الذي تظهر فضيحته والعار به، ونظيره الذل والهوان ؛ واستمر ذلك دأبه ودأبهم ﴿حتى إذا جاء أمرنا﴾ أي وقت إرادتنا لإهلاكم ﴿وفار﴾ أي غلا وطفح ﴿التنور﴾ وعن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ والحسن ومجاهد أنه الحقيقي الذي يخبز فيه، وهذا هو الظاهر فلا يعدل عنه إلا بدليل، لأن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل عبث كما قاله أهل الأصول ﴿قلنا﴾ بعظمتنا ﴿احمل﴾ ولما كان الله تعالى قد أمره أن يجعل لها غطاء - كما قاله أهل التفسير - لئلا تمتلىء من شدة الأمطار، كانت الظرفية فيها بخلاف غيرها من السفن واضحة فلذلك قال :﴿فيها﴾ أي السفينة ﴿من كل زوجين﴾ من الحيوانات، والزوج فرد يكون معه آخر لا يكمل نفعه إلا به ﴿اثنين﴾ ذكراً وأنثى ﴿وأهلك﴾ أي احملهم، والأهل : العيال ﴿إلا من سبق﴾ غالباً ﴿عليه القول﴾ بأني أغرقه وهو امرأته وابنه كنعان ﴿ومن﴾ أي واحمل فيها من ﴿آمن﴾ قال أبو حيان : وكانت السفينة ثلاث طبقات : السفلى للوحوش، والوسطى للطعام والشراب، والعليا له ولمن آمن معه ؛ ثم سلى المخاطب بهذه القصص ـ ﷺ ـ وذكره نعمته بكثرة من اتبعه مع صدعهم بمؤلم الإنذار على قصر الزمان دون نوح عليهم السلام مع تطاول الزمن فقال :﴿وما﴾ أي والحال