قال أبو علي الفارسي : ويحتمل أن يكون سلم خلاف العدو والحرب كأنهم لما امتنعوا من تناول ما قدمه إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قال إنا سلم ولست بحرب ولا عدو فلا تمتنعوا من تناول طعامي كما يمتنع من تناول طعام العدو، وهذا الوجه عندي بعيد، لأن على هذا التقدير ينبغي أن يكون تكلم إبراهيم عليه السلام بهذا اللفظ بعد إحضار الطعام، إلا أن القرآن يدل على أن هذا الكلام إنما وجد قبل إحضار الطعام لأنه تعالى قال :﴿قَالُواْ سلاما قَالَ سلام فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [ هود : ٦٩ ] والفاء للتعقيب، فدل ذلك على أن مجيئه بذلك العجل الحنيذ كان بعد ذكر السلام.
المسألة الثانية :
قالوا سلاماً تقديره : سلمنا عليك سلاماً قال سلام تقديره : أمري سلام، أي لست مريداً غير السلامة والصلح.
قال الواحدي : ويحتمل أن يكون المراد : سلام عليكم، فجاء به مرفوعاً حكاية لقوله كما قال : وحذف عنه الخبر كما حذف من قوله :﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [ يوسف : ١٨ ] وإنما يحسن هذا الحذف إذا كان المقصود معلوماً بعد الحذف، وههنا المقصود معلوم فلا جرم حسن الحذف، ونظيره قوله تعالى :
﴿فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سلام﴾ [ الزخرف : ٨٩ ] على حذف الخبر.
واعلم أنه إنما سلم بعضهم على بعض، رعاية للإذن المذكور في قوله تعالى :﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا ﴾.
المسألة الثالثة :
أكثر ما يستعمل ﴿سلام عَلَيْكُمُ﴾ بغير ألف ولام، وذلك لأنه في معنى الدعاء، فهو مثل قولهم : خير بين يديك.
فإن قيل : كيف جاز جعل النكرة مبتدأ ؟