وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الروع ﴾
أي الخوف ؛ يقال : ارتاع من كذا إذا خاف ؛ قال النابغة :
فارتاعَ من صَوْتِ كَلاَّب فبات لهُ...
طوعَ الشَّوامِتِ من خوفٍ ومن صَرَدِ
﴿ وَجَآءَتْهُ البشرى ﴾ أي بإسحق ويعقوب.
وقال قَتَادة : بشروه بأنهم إنما أتوا بالعذاب إلى قوم لوط، وأنه لا يخاف.
﴿ يُجَادِلُنَا ﴾ أي يجادل رسلنا، وأضافه إلى نفسه، لأنهم نزلوا بأمره.
وهذه المجادلة رواها حُميد بن هلال عن جُنْدب عن حُذَيفة ؛ وذلك أنهم لما قالوا :﴿ إِنَّا مهلكوا أَهْلِ هذه القرية ﴾ [ العنكبوت : ٣١ ] قال لهم : أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا : لا.
قال : فأربعون؟ قالوا : لا.
قال : فثلاثون؟ قالوا : لا قال : فعشرون؟ قالوا : لا.
قال : فإن كان فيها عشرة أو خمسة شك حميد قالوا : لا.
قال قَتَادة : نحواً منه ؛ قال فقال يعني إبراهيم : قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خير فيهم.
وقيل إن إبراهيم قال : أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا : لا.
فقال إبراهيم عند ذلك :﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين ﴾ [ العنكبوت : ٣٢ ].
وقال عبد الرحمن بن سَمُرة : كانوا أربعمائة ألف.
ابن جُريج.
وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف.
ومذهب الأخفش والكسائيّ أنّ "يجادلنا" في موضع "جادلنا".
قال النحاس : لما كان جواب "لمّا" يجب أن يكون بالماضي جعل المستقبل مكانه ؛ كما أن الشرط يجب أن يكون بالمستقبل فجعل الماضي مكانه.
وفيه جواب آخر أن يكون "يجادلنا" في موضع الحال ؛ أي أقبل يجادلنا ؛ وهذا قول الفرّاء.
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ﴾ تقدّم في "براءة" معنى "لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ".
والمنيب الراجع ؛ يقال : أناب إذا رجع.


الصفحة التالية
Icon