ولما كان كأنه قيل : ما نفعل بهن؟ قال :﴿هن﴾ ولما كان في مقام المدافعة باللين، قال إرخاء للعنان في تسليم طهارة ما يفعلونه على زعمهم مشيراً بلطافة إلى خبث ما يريدونه :﴿أطهر لكم﴾ وليس المراد من هذا حقيقته، بل تنبيه القوم على أنهم لا يصلون إليهم إلا إن وصلوا إلى بناته لأن الخزي فيهما على حد سواء أو في الضيف أعظم، ومثل هذا أن يشفع الإنسان فيمن يضرب، فإذا عظم الأمر ألقى نفسه عليه فصورته أنه فعله ليقيه الضرب بنفسه، ومعناه احترامه باحترامه، وعلى هذا يدل قوله في الآية الأخرى ﴿إن كنتم فاعلين﴾ وهنا قوله :﴿فاتقوا الله﴾ أي الملك الأعظم في هذا الأمر الذي تريدونه ﴿ولا تخزون﴾ أي توقعوا بي الفضيحة التي فيها الذل والهوان والعار ﴿في ضيفي﴾ إذ لا يشك ذو مسكة من أمره في أن التقوى إذا حصلت منعت من الأمرين، وأن الخزي على تقدير عدمها في البنات أعظم لأنه عار لازم للزوم البنات للأب، وكل هذا دليل على أنه لا يشك أنهم آدميون ولم يلم بخاطر أنهم ملائكة، فهو تنبيه للكفار على أنه لا ينتفع بإنزال الملائكة إلا البار الراشد التابع للحق ؛ ثم أنكر أشد الإنكار حالهم في أنهم لا يكون منهم رشيد حثاً على الإقلاع عن الغي ولزوم سبيل الرشد فقال :﴿أليس منكم رجل﴾ أي كامل الرجولية ﴿رشيد﴾ كامل الرشد ليكفكم عن هذا القبيح، فلم يكن منهم ذلك، بل ﴿قالوا لقد علمت﴾ أي يا لوط مجرين الكلام على حقيقته غير معرجين على ما كني به عنه ﴿ما لنا في بناتك﴾ وأغرقوا في النفي فقالوا :﴿من حق﴾ أي حاجة ثابتة، ولم يريدوا به ضد الباطل لأن البنات والضيف في نفي حقهم عنهم سواء، وأكدوا معلمين بما لهم من الرغبة في الفجور وقاحة وجرأة فقالوا :﴿وإنك لتعلم﴾ أي علماً لا تشك فيه ﴿ما نريد﴾ وهو إتيان الذكور للتطرق والتطرف، فحملوا عرضه لبناته على الحقيقة خبثاً منهم وشرعوا يبنون على ذلك بوقاحة وعدم مبالاة بالعظائم، فأخبر تعالى عن قوله لهم على