أما الأول : فلأن قوله :﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ يفيد أن ذلك الاختلاف إنما زال بسبب هذه الرحمة، فوجب أن تكون هذه الرحمة جارية مجرى السبب المتقدم على زوال هذا الاختلاف، والثواب شيء متأخر عن زوال هذا الاختلاف، فالاختلاف جار مجرى المسبب له، ومجرى المعلول، فحمل هذه الرحمة على الثواب بعيد.
وأما الثاني : وهو حمل هذه الرحمة على الألطاف فنقول : جميع الألطاف التي فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضاً في حق الكافر، وهذه الرحمة أمر مختص به المؤمن، فوجب أن يكون شيئاً زائداً على تلك الألطاف، وأيضاً فحصول تلك الألطاف هل يوجب رجحان وجود الإيمان على عدمه أو لا يوجبه، فإن لم يوجبه كان وجود تلك الألطاف وعدمها بالنسبة إلى حصول هذا المقصود سيان، فلم يك لطفاً فيه، وإن أوجب الرجحان فقد بينا في "الكتب العقلية" أنه متى حصل الرجحان فقد وجب، وحينئذ يكون حصول الإيمان من الله، ومما يدل على أن حصول الإيمان لا يكون إلا بخلق الله، أنه ما لم يتميز الإيمان عن الكفر، والعلم عن الجهل، امتنع القصد إلى تكوين الإيمان والعلم، وإنما يحصل هذا الامتياز إذا علم كون أحد هذين الاعتقادين مطابقاً للمعتقد وكون الآخر ليس كذلك، وإنما يصح حصول هذا العلم، أن لو عرف أن ذلك المعتقد في نفسه كيف يكون، وهذا يوجب أنه لا يصح من العبد القصد إلى تكوين العلم بالشيء إلا بعد أن كان عالماً، وذلك يقتضي تكوين الكائن وتحصيل الحاصل وهو محال فثبت أن زوال الاختلاف في الدين وحصول العلم والهداية لا يحصل إلا بخلق الله تعالى وهو المطلوب.
ثم قال تعالى :﴿ولذلك خَلَقَهُمْ﴾ وفيه ثلاثة أقوال :
القول الأول : قال ابن عباس : وللرحمة خلقهم، وهذا اختيار جمهور المعتزلة.