قرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان ﴿هَيْتَ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء، وقرأ ابن كثير ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ مثل حيث، وقرأ هشام بن عمار عن أبي عامر ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ بكسر الهاء وهمز الياء وضم التاء مثل جئت من تهيأت لك، والباقون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء، ثم إنه تعالى قال : إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام قال يوسف عليه السلام :﴿مَعَاذَ الله إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ﴾ فقوله :﴿مَعَاذَ الله﴾ أي أعوذ بالله معاذاً، والضمير في قوله :﴿إنَّهُ﴾ للشأن والحديث ﴿رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ﴾ أي ربي وسيدي ومالكي أحسن مثواي حين قال لك : أكرمي مثواه (١)، فلا يليق بالعقل أن أجازيه على ذلك الإحسان بهذه الخيانة القبيحة ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ الذين يجازون الإحسان بالإساءة، وقيل : أراد الزناة لأنهم ظالمون أنفسهم أو لأن عملهم يقتضي وضع الشيء في غير موضعه، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : أن يوسف عليه السلام كان حراً وما كان عبداً لأحد فقوله :﴿إِنَّهُ رَبّى﴾ يكون كذباً وذلك ذنب وكبيرة.
والجواب : أنه عليه السلام أجرى هذا الكلام بحسب الظاهر وعلى وفق ما كانوا يعتقدون فيه من كونه عبداً له وأيضاً أنه رباه وأنعم عليه بالوجوه الكثيرة فعنى بكونه رباً له كونه مربياً له، وهذا من باب المعاريض الحسنة، فإن أهل الظاهر يحملونه على كونه رباً له وهو كان يعني به أنه كان مربياً له ومنعماً عليه.
السؤال الثاني : هل يدل قول يوسف عليه السلام :﴿مَعَاذَ الله﴾ على صحة مذهبنا في القضاء والقدر.
________
(١) هذا قول بعيد جدا والراجح ـ والله أعلم ـ أن الضمير فى قوله تعالى " إنه ربى " يعود على الله تعالى وذلك لوجوه :
منها : قوله تعالى قبلها مباشرة ﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾ والضمير يعود على أقرب مذكور
ومنها : كيف يليق بيسوسف ـ عليه السلام ـ أن يذكر إحسان العزيز إليه وينسى إحسان الله تعالى، ومن ألقى محبته فى قلب العزيز إلا الله
ومنها : كيف يقتصر فى امتناعه عن الفاحشة إكرام العزيز له، وأين خوفه من الله، وأين منصب النبوة، وأين مكانة العصمة؟؟!!!
ومنها : قوله تعالى فى عجز الآية الكريمة ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ ولو كان الضمير يعود إلى العزيز لقال عليه السلام : إنه لا يفلح الخائنون.
ومنها : قوله تعالى بعد ذلك ﴿ لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾
ومنها : قوله تعالى ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ﴾
ومنها : أنه عليه السلام خاطب من معه فى السجن بقوله ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ﴾ وقال لرسول الملك ﴿ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ وعندما تكلم عن نفسه أثنى على الله تعالى بما هو أهله فقال ﴿ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾
ومنها : أن الله تعالى قال ﴿ وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ﴾ ولم يقل : وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَما لأن يوسف ـ عليه السلام ـ ليس له إلا سيد واحد هو الله.
ومنها : قوله تعالى ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ﴾
فلم ينسب الفضل إلا لخالقه جل وعز. والله أعلم.